تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
فحى على خير العمل بمتابعة المبعوث بالفرقان . وتحكيمه وتلقي حكمه بالتسليم والقبول والإذعان ، ومقابلة ما خالف حكمه بالإنكار والرد والهوان . ومطاعنة المعارضين له بقولهم بالسيف والسنان . وإلا بالعلم واللسان ، فالعقول السليمة والفطر المستقيمة لنصوص الوحي يسجدان . ويصدقان بما شهدت به ولا يكذبان ، ويقران أن لها عليهما أعظم سلطان . وأنهما إن خرجا عنها غلبا ولا ينتصران واللّه المتسعان وعليه التكلان . السابع والعشرون : أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقا . ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة ، ليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء ، وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم ، وأن الإيمان بالنبوة عندهم ، والاعتراف بموجود حليم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعا ، فإذا أخبرهم بما لا تدركه ( عقولهم ) عارضوا خبره ( بعقولهم وقدموها على خبره ) . فهؤلاء الذين عارضوا بين العقل ونصوص الأنبياء ، فعارضوا نصوص الأنبياء في باب الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر في هذه الأصول الخمسة بعقولهم ، فلم يصدقوا بشيء منها على طريقة الرسل . ثم سرت معارضتهم في المنتسبين إلى الرسل ، فتقاسموها تقاسم الوارث لتركه مورثهم ؛ فكل طائفة كانت نصوص الوحي على خلاف مذهبهم لجئوا إلى هذه المعارضة ومعلوم أن هذا يناقض الإيمان بالنبوة ، وإن تناقض القائل به فغلبته أن يثبت كون النبي رسولا في العمليات ولا في العلميات ، أو في بعض العلميات التي أخبر بها دون البعض . وهذا أسوأ حالا ممن جعله رسولا إلى بعض الناس دون بعض . فإن القائل بهذا يجعله رسولا في العمليات والعلميات ، ولا يعارض بين خبره وبين العقل ، وإن تناقض جحده عموم رسالته بالنسبة إلى كل مكلف فهذا أحد عموم رسالته إلى المدعوين وذاك جحد عموم رسالته في المدعو إليه المخبر به ، ولم يؤمن في الحقيقة برسالته لا هذا ولا هذا . فإنه يقال لهذا : إن كان رسول صلى اللّه عليه وسلم إلى هؤلاء حقا فهو رسوله إلى آخرين قطعا ؛ لأنه أخبر بذلك ومن
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 204 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي