تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ولا يعلم ما يريد . وهو فاسد . إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة . وكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة . وأما قولكم : إن قولنا فعل بالطبع ليس بنقض للأول فليس كذلك فإنه نقض له من حيث الحقيقة . ولكنه لا يسبق إلي الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه فإنه لما أن كان سببا موجبا والفاعل أيضا سببا سمى فعلا مجازا . وإذا قال فعل بالاختيار فهو تكوين على التحقيق . كقوله : أراد . وهو عالم بما أراد إلا أنه لما تصور أن يقال : فعل وهو مجاز ، ويقال : فعل وهو حقيقة لن تنفر النفس عن قوله : فعل بالاختيار . وكان معناه فعل حقيقيا لا مجازيا . كقول القائل : تكلم بلسانه ، ونظر بعينه ، فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا ، والكلام في تحريك الرأس واليد مجازا ، لم يستقبح أن يقال : قال بلسانه ونظر بعينه ، ويكون معناه نفي احتمال المجاز . فهذه مزلة القدم . ( فإن قيل ) فتسمية الفاعل فاعلا إنما يعرف من اللغة ، وإلا فقد ظهر في العقل أن ما يكون سببا للشيء ينقسم إلى ما يكون مريدا وإلى ما لا يكون ، فوقع النزاع في أن اسم الفاعل يقع على كل من القسمين حقيقة أم لا ، إذ العرب تقول : النار تحرق ، والثلج يبرد ، والسيف يقطع ، والخبز يشبع ، والماء يروي وقولنا يقطع معناه يفعل القطع ، وقولنا يحرق معناه يفعل الإحراق . فإن قلتم ، إن ذلك مجاز ، فأنتم متحكمون ( قال : والجواب ) إن ذلك طريق ، إنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة ، والدليل عليه أنا لو فرضنا حادثا توقف حصوله على أمرين أحدهما إرادي والآخر غير إرادي ، أضاف العقل الفعل إلى الإرادي ، فكذا اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات يقال هو القاتل دون النار حتى إذا قيل ما قتله إلا فلان كان صدقا ، وإذا كان اسم الفاعل المريد وغير المريد على وجه واحد لا بطريق كون أحدهما أصلا والآخر مستعارا ، فلم يضف القتل إلى المريد لغة وعرفا وعقلا مع أن النار هي العلة القريبة في العقل ، وكان الملقي لم يتعاط إلا الجمع بينه وبين النار ولكن لما كان الجمع بالإرادة وتأثير النار بغير إرادة سمى قاتلا ولم تسم النار قاتلة إلا بمعنى الاستعارة ، فعلم أن الفاعل من يصدر الفعل عن إرادته . وإذا لم يكن اللّه مريدا عندهم ولا مختارا للفعل لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا .