تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع كلها ، فإن البدع لو كانت باطلا محضا لما قبلت ، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها . ولو كانت حقا محضا لم تكن بدعة وكانت موافقة للسنة . ولكنها تشتمل على الحق والباطل ويلتبس فيها الحق والباطل كما قال اللّه تعالى :
لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( آل عمران : 71 ) فنهي عن لبس الحق بالباطل ، ولبسه به هو خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالآخر . ومنه التلبيس ، وهو التدليس والغش الذي باطنه خلاف ظاهره ، فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق وتكلم بلفظ له معنيان ، معنى صحيح ومعنى باطل فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح ، ومراده الباطل . فهذا من الإجمال في اللفظ . وأما الاشتباه في المعنى فيكون له وجهان ، وهو حق من أحدهما ، وباطل من الآخر . فيوهم إرادة الوجه الصحيح ، ويكون غرضه الباطل ، فأضل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة والمعاني المشبهة . ولا سيما إذا صادفت أذهانا سقيمة . فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب ؟ فنسأل اللّه مثبت القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه . قال الإمام أحمد في خطبة كتابه « الرد على الجهمية » : الحمد للّه الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل ، بقايا من أهل العلم ، يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب اللّه الموتى ، ويبصرون بكتاب اللّه أهل العمى . فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس ، وما أقبح أثر الناس عليهم ، ينفون عن كتاب اللّه تحريف الغالبين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، الذين عقدوا ألوية البدعة ، وأطلقوا عنان الفتنة ، فهم مختلفون في الكتاب ، مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب ، يقولون على اللّه وفي اللّه وفي كتاب اللّه بغير
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 189 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي