تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
الوجه الثاني : إن قوله إذا تعارض العقل والنقل ، فإما أن يريد به القطعيين فلا نسلم إمكان التعارض ، وإما أن يريد به الظنيين فالتقديم الراجح مطلقا ، وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي . فعلم أن تقديم العقلي مطلقا خطأ وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليا خطأ ، وأن جعل سبب التأخير والاطراد كونه نقليا خطأ . الوجه الثالث : قوله إن قدمنا النقل لزم الطعن في أصله - ممنوع - فإن قوله : العقل أصل النقل ، إما أن يريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر ، وأصل في علمنا بصحته ؛ فالأول لا يقوله عاقل ، فإنما هو ثابت في نفس الأمر ، ليس موقوفا على علمنا به ، فعدم علمنا بالحقائق لا ينافي ثبوتها في نفس الأمر ، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه سواء علمناه بعقولنا أم لم نعلمه ، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه ، كما أنه رسول اللّه حقا وإن كذبه من كذبه ، كما أن وجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق ، سواء علمناه بعقولنا أم لم نعلمه ، فلا يتوقف ذلك على وجودنا فضلا عن علومنا وعقولنا فالشرع المنزل من عند اللّه مستغن في علمنا وعقلنا . ولكن نحن محتاجون إليه وإلى أن نعلمه . فإذا علم العقل ذلك حصل له كمال لم يكن له قبل ذلك ، وإذا فقده كان ناقصا جاهلا . وأما إن أراد أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل على صحته وهذا هو مراده ، فيقال له : أتعني بالعقل القوة الغريزية التي فينا ، أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة ؟ فالأول لم يرده ، ويمتنع إرادته . لأن تلك الغريزة ليست علما يمكن معارضته للنقل ، وإن كانت شرطا في كل علم عقلي أو سمعي ، وما كان شرطا في الشيء امتنع أن يكون منافيا له . وإن أردت العلم والمعرفة الحاصلة بالعقل ، قيل لك : ليس كل ما يعرف بالعقل يكون أصلا للسمع ودليلا على صحته . فإن المعارف العقلية أكثر من أن تحصر . والعلم بصحة السمع غايته يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول من العقليات ، وليس كل العلوم العقلية