نعم ، قد عرفت : أن ثبوت أجزاء الماهية ولوازمها لذاتها مما لا يحتاج إلى
الجعل والعلة ، إلا أنه قد قرر في محله ( 1 ) أن الماهيات أمور اعتبارية ينتزعها
العقل بعد ملاحظة الوجودات ، وهي محرومة عن الجعل ممنوعة عنه ، ولا
تكون منشأ للآثار ، ولا علية ولا معلولية بينها أصلا .
إذا عرفت ذلك فاعلم : أن السعادة والشقاوة هل هما من سنخ الوجودات أو
من قبيل لوازم الماهيات ، فعلى الأول لا يعقل كونهما من الذاتيات ، لما عرفت من
أن الوجود في غير الواجب تعالى وجود إمكاني محتاج إلى الجعل . ودعوى
كونهما ذاتيين تنافي ما قامت عليه البراهين القاطعة والأدلة الساطعة من
وحدة الواجب تعالى . وعلى الثاني لا يكونان منشأ للآثار . فاختيار الكفر
والعصيان ، وكذا الإرادة التي هي أمر وجودي لا يعقل أن يكون مستندا إلى الذات
والذاتيات التي هي أمور اعتباري ومخترعات عقلي .
فالحق أنهما من الأمور الاعتبارية المنتزعة عن فعل القربات ، وارتكاب
المبعدات ، ولا يكونان من الذاتيات أصلا ، كما هو واضح لا يخفى .
هامش
1 - الحكمة المتعالية 1 : 38 - 75 و 396 - 423 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 10 -
15 .