قائم بنفسه بحواسّه ، مستكمل في ذاته ، ففضل بني آدم بالنطق الذي ليس في غيره من الخلق المدرك بالحواسّ ، فمن أجل النطق ملّك اللّه ابن آدم غيره من الخلق حتّى صار آمراً ناهياً ، وغيره مسخّر له كما قال اللّه : ( كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَكُمْ ) .
وقال : ( وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) .
وقال : ( وَالاَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَد لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الاَنفُسِ ) .
فمن أجل ذلك دعا اللّه الإنسان إلى اتّباع أمره وإلى طاعته بتفضيله إيّاه باستواء الخلق ، وكمال النطق والمعرفة ، بعد أن ملّكهم استطاعة ما كان تعبّدهم به بقوله : ( فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُوا ) .
وقوله : ( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) .
وقوله : ( لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا ) وفي آيات كثيرة .
فإذا سلب من العبد حاسّة من حواسّه رفع العمل عنه بحاسّته كقوله : ( لَّيْسَ عَلَى الاَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاَعْرَجِ حَرَجٌ ) الآية .
فقد رفع عن كلّ من كان بهذه الصفة الجهاد ، وجميع الأعمال التي لا يقوم بها ، وكذلك أوجب على ذي اليسار الحجّ ، والزكاة لما ملّكه من استطاعة ذلك ، ولم يوجب على الفقير الزكاة والحجّ .
قوله : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) .
وقوله في الظهار : ( وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِّسَآِئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَة - إلى قوله - : فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) .
موسوعة الإمام الهادي ( ع ) — صفحة 39
مساهمون: مؤسسة ولي العصر ( عج ) للدراسات الإسلامية
ص٣٩