تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
غدير كان ماؤه نقاعة الحناء ، فأما قوله : « تنزهوا من البول » [ 1 ] فإن للتنزه حدا معلوما ، فأما الاستشعار فإنه إذا علق نما وانقطع الوقت بما لا يقتضي بمثله الشرع . قال ابن عقيل : كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق ، كثير التلطف بهم ، فقدم من الحج وقد اتفق نفور العوام نفورا أريقت فيها الدماء ، وانبسط حتى هجموا على الديوان ، وبطشوا بالأبواب والستور ، فخرج من الخليفة إنكار عليه ، وأمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد ، فأدّب وضرب وبطش ، فانبسطت فيه الألسنة بأنواع التهم ، حتى قال قوم : ها هو إسماعيلي وهبط عندهم ما تقدم من إحسانه . قال ابن عقيل : فقلت لنفسي : أفلس من الناس كل الإفلاس ، ولا تثقي / بهم ، فمن يقدر 12 / ب على إحسان هذا إليهم وهذه أقوالهم عنه . قال ابن عقيل : وقد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا للناس إلا من عصم الله من ذاك ، إني رأيت في زمن أبي يوسف [ 2 ] كثيرا من أهل القرآن والمنكرون لإكرام أصحاب عبد الصمد ، وكثر متفقهة الحنابلة ، ومات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير ، فرأيت من كان يتقرب إلى الشيخ بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين [ 3 ] ، ثم جاءت الدولة النظام ، فعظم الأشعرية ، فرأيت من كان يتسخط علي بنفي التشبيه غلوا في مذهب أحمد ، وكان يظهر بغضي يعود [ عليّ ] [ 4 ] بالغمض علي الحنابلة ، وصار كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن وباح ، ورأيت كثيرا من أصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا ، وتوثّق بمذهب الأشعري والشافعيّ طمعا في العز والجرايات ، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء والزّهاد ، فانقطع البطالون إلى المساجد ، وتعمد خلق للزهد ، فلما افتقدت ذلك قلت لنفسي : هل حظيت من هذا الافتقاد بشيء ينفعك ؟ فقالت البصيرة : نعم ، استفدت أن الثقة خيبة ، فالغنى بهم إفلاس وليس ينبغي [ 5 ] أن يعول على غير الله .
هامش
[ 1 ] أخرجه الدار الدّارقطنيّ في سننه 1 / 127 ، وراجع نصب الراية 1 / 128 . [ 2 ] في الأصل : « في زمن ابن يوسف » . [ 3 ] في ص : « كان يتقرب إلى ابن جهير يرفع أخبار العاملين » . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل . [ 5 ] في ص : « ولكن ينبغي » .