مائة دينار فصرفت في مصالح المكان ، وخرج يوما فرأى الفقهاء حول داره وهم نحو من أربعمائة ، فأمر بكسوتهم جميعا ، وحملت إليه قسي بندق فلما رآها قال : قد ذكرت بها شيخا من الأتراك قد تعطل فأتوه به فأعطاه ثلاثين دينارا ، وكان أصحابه لا يظلمون أحدا ولا يتعرضون بأذى ، ولقد جاء بعض الصبيان الأتراك إلى بعض البيادر فقال : بيعوني تبنا ، فقالوا : التبن عندنا مبذول للصادر والوارد فخذ منه ما أحببت ، فأبى ، وقال : ما كنت لأبيع رأسي بمخلاة تبن فان أخذتم ثمن ذلك وإلَّا انصرفت ، فباعوه بما طلب ، ثم كثر الفساد فعاثوا وصعب ضبطهم .
وكان صدقة بن مزيد قد باين هذا السلطان ، وكان السبب أن سرخاب الديلميّ عصى على السلطان فاستجار بصدقة ، فطلبه فامتنع من تسليمه ، فسار السلطان إليه وآل الأمر إلى الحرب ، وصار مع صدقة أكثر من عشرين ألفا فالتقوا وكانت الوقعة في رجب ، فصف صدقة عسكره فجعل في ميمنته ابنه دبيس ، وسعيد بن حميد ومعهما خفاجة وجماعة من الأكراد ، وفي مقابلتهم من العسكر السلطاني البرسقي والسعدية . وكان في ميسرته ابنه بدران ومعه عبادة بأسرها ، وفي مقابلتهم من العسكر السلطاني الأمير أحمد بك وجماعة من الأمراء ، وكان سيف الدولة في قلب عسكره ومعه سرخاب الديلميّ ، وأبو المكارم حماد بن أبي الجبر ، فأما خفاجة وعبادة فلزمت مواضعها وحمل قلب عسكر سيف الدولة وحمل معهم فحصلت خيولهم في الطين والماء ، وكانت الأتراك تخرج من أيديهم في رمية واحدة عشرة آلاف نشابة ، وتقاعد عن صدقة جماعة من العرب فصاح صدقة : يال خزيمة ، يال ناشرة ، يال عوف ، وجعل يقول : أنا تاج الملوك ، أنا ملك العرب ، فأصابه سهم في ظهره وأدركه غلام اسمه بزغش [ 1 ] من السعدية أحد أتباع الأتراك الواسطيين ، وهو لا يعرفه ، فجذبه عن فرسه فسقطا إلى الأرض جميعا ، فقال له صدقة - وهو بارك بين يديه يلهث لهثا شديدا : ارفق . فضربه فرمى قحفه ثم حز رأسه وحمله ، وانهزم أصحابه وأسر منهم حماد بن أبي الجبر ، ودبيس بن صدقة ، وسرخاب الديلميّ الَّذي نشأت الفتنة بسببه ، وأخذ دبيس فحلف على خلوص النية ،
هامش
[ 1 ] في ص : « أدركه غلام اسمه برغش » .