ظنّ أنه لم يبق أحد في الحصن إلا أشرف ، فقال الرومي : أتصدقني عما استخبرك ؟
قال : نعم ، قال : أنت باللَّه ابن الجزري ، قال : اللَّهمّ نعم . فكفّر له ، ثم أخذا في شأنهما فاطعنا حتى طال الأمر بينهما ، وكان الفرسان يقومان ولم نجد من واحد منهما صاحبه ، ثم تجالدا بالسيوف ، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها ، فيتقيها الرومي ، وكان ترسه حديدا ، فيسمع لذلك صوت منكر ، ويضربه الرومي ضرب مغدر ، لأن ترس ابن الجزري كان درقة ، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري ، فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط ، وعطعط المشركون ، ثم اتبعه العلج ، فالتفت [ 1 ] ابن الجزري ، فرمى العلج بوهق فوقع في عنقه ، وركض إليه فاستلبه عن فرسه ، ثم عطف عليه ، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه ، فكبّر المسلمون وانخذل المشركون ، وبادروا الباب يغلقونه . وإنما كانت هزيمة ابن الجزري حيلة منه .
واتصل الخبر بالرشيد فقال للقوّاد : اجعلوا النار في المجانيق ، فتهافت السور ، ففتحوا الباب مستأمنين ، وصبت الأموال على ابن الجزري / وقوّد ، فلم يقبل النقود ، وسأل أن يعفى ويترك بمكانه من الثغر ، فلم يزل به طول عمره .
وكان فتح هرقلة في شوال ، وأخربها وسبى من أهلها ستة عشر ألفا ، فأقدمهم الرافقة ، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي .
ووجه الرشيد داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الرقة في سبعين ألفا .
وافتتح شراحيل [ 2 ] بن معن بن زائدة حصن الصقالبة وديسة [ 3 ] .
وافتتح يزيد بن مخلد الصّفصاف ، ومقلونية [ 4 ] .
وولَّي حميد بن معيوف ساحل بحر الشام إلى مصر ، فبلغ حميد قبرس ، فهدم
هامش
[ 1 ] في الأصل : « فالتف » .
[ 2 ] في الأصل : « شراحبل » .
[ 3 ] تاريخ الطبري 8 / 320 .
[ 4 ] تاريخ الطبري 8 / 320 .