تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
اكتب إلى عمير ، فوالله ما أراه إلا قد خاننا : « إذا جاءك كتابي هذا فاقبل وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا » . قال : فأخذ عمير جرابه ، فجعل فيه زاده وقصعته ، وعلق أدواته ، فأخذ عنزته ، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة ، وقد شحب لونه ، وأغبر وجهه ، وطال شعره ، فدخل على عمر فقال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله . قال عمر : ما شأنك ؟ / فقال عمير : ما ترى من شأني ، أليس تراني صحيح البدن [ 1 ] ، ظاهر [ 2 ] الدّم ، معي الدنيا أجرها بقرنها . قال : وما معك ؟ فظن عمر أنه قد جاء بمال . فقال : معي جرابي ، أجعل فيه زادي وقصعتي ، آكل فيها ، وأغسل فيها رأسي وثيابي وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعنزتي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدوا إن عرض لي ، فوالله ما الدنيا إلا نفع لمتاعي ، قال عمر : فجئت تمشي ؟ قال : نعم ، قال : أما كان لك أحد يتبرع لك بداية تركبها ؟ قال : ما فعلوه ، وما سألتهم ذلك . فقال عمر : بئس المسلمين خرجت من عندهم . فقال عمير : اتّق الله يا عمر ، قد نهاك الله عن الغيبة ، وقد رأيتهم يصلون صلاة الغداة . قال عمر : بعثتك وأي شيء صنعت ؟ فقال : وما سؤالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : سبحان الله . فقال عمير : أما أني لولا إني أخشى أن أعمل [ 3 ] ما أخبرتك بعثتني حتى أتيت البلد ، فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم ، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه ، ولو نالك منه شيء لأتيتك به . قال : فما جئتنا بشيء . قال : لا . قال : جدّدوا لعمير عهدا . قال : إن ذلك لشيء لا عملته لك ولا لأحد بعدك ، والله ما سلمت ، بل لم أسلم . قلت : لنصراني ؟ [ 4 ] أخزاك الله ، هذا ما عرضتني له ، وإن أشقى أيامي يوم خلفت [ 5 ] معك . ثم استأذنه ، فأذن له ، فرجع إلى منزله ، وبينه وبين المدينة أميال ، فقال عمر حين انصرف عمير : ما أراه إلا قد خاننا . فبعث رجلا يقال له الحارث ، وأعطاه مائة دينار ، وقال : انطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف ، فإن رأيت أثر شيء فأقبل
هامش
[ 1 ] في الأصل : « اليدين » . [ 2 ] في الأصل : « طاهر » . [ 3 ] في ت : « أعمك » . [ 4 ] « لنصراني ؟ » ساقطة من ت . [ 5 ] في الأصل : « حلفت » .