وقد صرّح بفائدة الطبقات في نهاية كلامه السابق بقوله : « وبذلك تقدرُ على
تمييز الأسانيد المرسلة ، بحذف الوسائط » ( 158 )
وهذا هو أهمّ فوائد الطبقات ، حيث يُعْرَف بها : مشايخُ الراوي ، الذين يروي
عنهم مباشرةً ، وكذلك الرواة عنه بالمباشرة ، وهذا - في الحقيقة - وجه واحد من مكوّنات « نشاط الراوي العلميّ » كما سمّيناه ، وبمعرفته نقف على كثيرٍ من شؤونه الدخيلة في تحديد شخصه وشخصيّته الرجاليّة وغيرها ، كمعرفة مذهبه ، لأنّ الرجلَ يعيش - عادةً - في البيئة المذهبيّة التي يألفها ، وخصوصاً في عهد طلبه العلم ، وبذله ، وكذلك من خلال جهده العلميّ ، لأنّه يعكس أفكاره ومعتقداته في مؤلّفاته ورواياته .
وقد استفاد السيّد البُروجِرديّ من أوجه « نشاط الراوي » في معالجاته
الرجاليّة ، كثيراً جدّاً .
1 - فقد استكشف « وثاقة الراوي » من خلال نوعيّة رواياته ، فقال :
الظاهر انّه يمكن استكشافُ وثاقة الراوي من تلاميذه الذين أخذوا الحديث
عنه ، فإذا كان الآخِذُ مثلَ الشيخ أو المفيد أو الصدوق أو غيرهم من الأعلام
- خصوصاً مع كثرة الرواية عنه - لا يبقى ارتياب في وثاقته أصلاً حينئذٍ ( 159 ) .
واعتزّ بهذا النشاط ، فيما ذكره عن البَزَنطيّ فقال :
إنّ أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ هو من أجلاّء الطبقة السادسة ، وكان من أرباب الجوامع الأوليّة - لا من الرواة فقط - بل من علمائهم ، وكان
معاصراً للرضا عليه السلام ، وممّن يروي عنه عليه السلام بلا واسطة ، وكان
يروي عن الباقرين عليهما السلام أيضاً بواسطة الرواة عنهما ، وكان يجمع
تلك الروايات ، ومن ثمّ كان من أرباب الجوامع الأوّليّة ( 160 ) .
إنّ التأكيد على هذا النشاط إنّما هو لأجل التركيز على موقعيّة الراويّ تمهيداً للاعتماد عليه ، ومعرفة المراد ممّا نقله ، كما هو واضح في ذيل ذلك الكلام ، وفي الموارد المختلفة التي تعرض فيها السيد لأمر الطبقات .
هامش
( 158 ) البدر الزاهر ( ص 26 - 27 ) . .
( 159 ) نهاية التقرير ( ج 2 ، ص 271 ) .
( 160 ) زبدة المقال ، الخمس ( ص 29 ) .