تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وفيه عنه عليه السّلام أيضا قال : كتب رجل إلى أبي ذرّ رضي اللَّه عنه يا أبا ذر أطرفنى بشيء من العلم ، فكتب إليه : أنّ العلم كثير ولكن إن قدرت أن لا تسيئ إلى من تحبّه فافعل ، قال : فقال له الرجل : وهل رأيت أحدا يسيئ إلى من يحبّه فقال له : نعم نفسك أحبّ الأنفس إليك فإذا أنت عصيت اللَّه فقد أسأت إليها . قوله عليه السّلام : ( وحيث تناهت بك أمورك - إلخ ) قال بعضهم : حيث عطف على سبيلك ، أي فقد بيّن اللَّه لك مالك ومنقلبك ، قال تعالى : * ( « إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ و » ) * ، فهو عليه السّلام يحذّره عن عاقبته الوخيمة ، ويخوّفه عن جزاء أعماله الفاضحة ، ثمّ كأنّما قيل : وإلى ما تناهت به أموره وأىّ شيء يترتّب على أفعاله فأجاب عليه السّلام : فإنّه قد أجري إلى غاية خسر إلخ ، فما تناهت به أموره جزاء أعماله السيئة . هذا غاية ما يمكن أن يقرّر معنى العبارة على قول هذا البعض ، ولكنّ الإنصاف أنّ الصواب هو ما أفاده الفاضل الشارح المعتزلي كما تقدّم في بيان الإعراب ، أي قف حيث أنت لأنك قد أجريت إلى غاية خسر فالفاء في فقد في معرض التعليل للفعل المحذوف أعنى قف ، والكلام على هذا الوجه خال عن التكلَّف دون الأوّل . ولا يخفى لطافة قوله عليه السّلام : وإنّ نفسك قد أوحلتك شرا ، وقد علمت أنّ معنى أوحلتك أو رطتك في الوحل ، فالويل ثمّ الويل لمن أطاع نفسه ونسي حظَّه ، فإنّ النفس لأمّارة بالسوء ينسي مطيعه ذكر اللَّه تعالى كما قال تعالى : * ( « اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ الله » ) * ، وقال تعالى : * ( « ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَه مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُه يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى وكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّه ولَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأَبْقى » ) * ( طه : 125 ) . هذا آخر المجلَّد الخامس من تكملة منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة وبه انتهى المنهاج إلى المجلَّد التاسع عشر ، وللَّه الحمد على ما أولانا ، وله الشكر بما تفضّل علينا من إفاضة مننه ، وإسبال نعمه علينا ، وكيف أشكره تعالى حقّ شكره وليس من شكر أشكره به إلَّا وهو نعمة جزيلة أنعم بها عليّ ، اللَّهم ارزقنا قلبا