ولا يرى إلَّا هو ، ويبلغ بحق اليقين إلى أنّه تعالى هو الأوّل والاخر والظَّاهر والباطن ، وإلى أنه هو الظاهر لا غير ، وأنّ الظاهر هو لا غير ، وإلى أنّ الباطن هو الظاهر ، وأنّ الأوّل هو الاخر والاخر هو الأوّل ، والكلّ تحت اسم الظاهر تدوينا وتكوينا لفظا وعينا ، وهذه الحالة للعارف تسمّى بالفناء في اللَّه فالفناء ملاحظة جمال اللَّه وجلاله وقصر النظر على كماله .
وللفناء ثلاث درجات : الأولى ، الفناء في الأفعال فيرى العارف في هذه الدرجة المؤثّرات والمبادي والأسباب والعلل من المجرّدات والمادّيات ومن الطبيعيّات والإراديّات باطلة بلا أثر ، ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل ، ولا يرى مؤثّرا إلَّا الحقّ جلّ جلاله ولا يرى قدرة عاملة ولا إرادة نافذة في الكائنات إلَّا قدرته وإرادته ، فيشهد ذاتا غير متناهية ، وإرادة وقدرة غير متناهيتين حاكمة على الجميع ، وعنت الوجوه للحىّ القيّوم ، فيرى بعين الشهود بلا شوب ريب حقيقة الكريمة : وما رميت إذ رميت ولكنّ اللَّه رمى ، فيكون لسان حاله مترنّما بمقال لا حول ولا قوّة إلَّا باللَّه ، بلا شائبة خيال ووهم بل بعين بصيرة وقلب مستيقظ نبيه ، وفي هذا المقام يحصل له اليأس عمّا سواه تعالى والرجاء الواثق التامّ إليه تعالى ، ويساوى عنده بل يتّحد قدرة أعظم ملوك الأرض وقدرة أخسّ ذوى النفوس كالبقّ مثلا ، وهذه الدرجة تسمّى بالمحو وإليه أشار صاحب المثنوي بقوله :
اين سببها بر نظرها پرده ها است
كه نه هر ديدار صنعش را سزا است
ديده اى بايد سبب سوراخ كن
تا حجب را بر كند از بيخ وبن
تا مسبّب بيند اندر لامكان
هرزه بيند جهد وأسباب دكان
والثانية ، الفناء في الصفات ، فيرى العارف في هذه الدرجة جميع أسمائه تعالى وصفاته من صفات اللطف كالرحمن والرّحيم والرّازق والمنعم ، وصفات القهر كالقهّار والمنتقم مستهلكة في غيب الذات الأحديّة ، ولا يرى إلَّا الذات