وثالثها ما يحصل بعد اتصالها بعالم الغيب وهو تحلَّى النفس بالصور القدسية وتسمّى هذه المرتبة التّحلية بالحاء المهملة ، وبعبارة أخرى التّحلية أن تتحلَّى النفس بعد حصول التخلية بحلىّ الأخلاق الحميدة والملكات الفاضلة الجميلة ممّا هي في نظام الاجتماع ورشد الفرد وتكامله مؤثر جدّا فالتحلية طهارة معنوية وما لم يتحقّق هذه الطهارة للانسان فهو ليس بطاهر حقيقة وإن كان ظاهره متّصفا بالطهارة واتّصاف النّفس بها بمنزلة تقوية المريض بالأغذية المقويّة بعد خلاصه من الأمراض .
ورابعتها ما يتجلَّى له عقيب ملكة الإتّصال والانفصال عن نفسه بالكلَّية وهو ملاحظة جمال اللَّه وجلاله وقصر النظر على كماله حتّى يرى كلّ قدرة مضمحلَّة جنب قدرته الكاملة ، وكلّ علم مستغرقا في علمه الشامل بل كلّ وجود فائضا من جنابه ، وتسمّى هذه المرتبة بالفناء في الحقّ ، رزقنا اللَّه وجميع المؤمنين تلك النعمة العظمى وبلغنا إلى تلك الغاية القصوى ، وله أيضا ثلاث مراتب : محو وطمس ومحق المحو ، فناء أفعال العبد في فعل الحقّ ، والطمس ، فناء صفاته في صفات الحقّ والمحق ، فناء وجوده في ذات الحق ، ففي الأوّل لا يرى في الوجود فعلا لشيء إلَّا للحق ، وفي الثاني لا يرى لشيء من الوجود صفة إلَّا للحقّ ، وفي الثالث لا يرى وجودا لشيء إلَّا للحقّ ، والفناء قسمان : فناء استهلاك كفناء أنوار الكواكب في نور الشمس ، وحينئذ يبقى عين الفاني وذاته ويرتفع حكم إنّيته ، وفناء هلاك كفناء الأمواج عند سكون البحر ، وحينئذ يزول الفاني ويرتفع عينه ولا يبقى أثره .
ونزيدك بيانا ونقول : غبّ ما حصلت المراتب الثلاثة التجلية والتخلية والتحلية للسالك تحصل له ببركة الطهارة والصفاء ، جاذبة المحبّة والعشق إلى جناب الحقّ جلّ جلاله فتصير محبّا لما هو كمال له حقيقة من الحضور دائما عنده تعالى وعبادته والخلوة معه والانس به ، وذكره قلبا ولسانا ، فتوجب تلك الأحوال تشديد المحبّة تدريجا واشتعال نار المحبّة يسيرا يسيرا حتّى يذهل عن نفسه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 332
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٣٢