الثّانية والتسعين أنّه ملتقط من كلام طويل له عليه السّلام قدّمنا روايته هناك من توحيد الصّدوق كما ظهر أنّه عليه السّلام كلَّم به مع ذعلب ، فإنه لما قال على المنبر غير مرّة : سلوني قبل أن تفقدوني ، قام إليه ذعلب وكان رجلا ذرب اللَّسان بليغا في الخطب شجاع القلب فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه فقال له ( هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ) وكان هذا السؤال منه من باب التعنّت والتقرير بقصد التعجيز عن الجواب لا الاستفهام الحقيقي كما يدلّ عليه أوّل كلامه الَّذى حكيناه .
( فقال عليه السّلام أفأعبد ما لا أرى ) إنكار لعبادة ما لا يدرك ، لأنّ العبادة متضمّنة للسؤال والمخاطبة والمكالمة وطلب الرحمة والمغفرة وغير ذلك من الخضوع والخشوع والتضرّع والتملَّق والاستكانة وهذه كلَّها تستدعى حضور المعبود وإدراكه ورؤيته .
ولما توهّم السائل من كلامه عليه السّلام أنّ مراده به رؤية البصر أعاد السؤال و ( قال وكيف تراه ) على سبيل الاستفهام التوبيخي يعني أنّ رؤيته غير ممكنة فكيف ادّعيتها .
فأجابه و ( قال عليه السّلام لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ) يعنى أنّ رؤيته ليست بالعين وبمشاهدة القوّة البصرية الجسمانية ، فانّ هذه غير جايزة كما عرفت تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة والأربعين ، وهو صريح في بطلان مذهب الأشاعرة والمشبهة والكراميّة المجوّزين للرؤية ( ولكن تدركه القلوب بحقايق الايمان ) أي تدركه العقول الصافية عن ملابسة الأبدان وغواشي الطبايع والأجرام بحقايق الايمان أي بأنوار العقليّة الناشئة من الايمان والاذعان الخالص كما مرّ تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة والأربعين أيضا .
وقال الشارح البحراني : أراد بحقايق الايمان أركانه وهى التصديق بوجود اللَّه ووحدانيّته وساير صفاته واعتبارات أسمائه الحسنى .
وقال العلامة المجلسي ره في مرآة العقول : حقايق الايمان العقائد الَّتى هي حقايق أي عقايد عقلية ثابتة يقينيّة لا يتطرّق إليها الزوال والتغير أي أركان
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 259
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٩