تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله ، وتشذّب لحمه . وإن شئت ثلَّثت بداود صلَّى اللَّه عليه صاحب المزامير ، وقاري أهل الجنّة فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه : أيّكم يكفيني بيعها ، ويأكل قرص الشّعير من ثمنها . وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السّلام قد كان يتوسّد الحجر ، ويلبس الخشن ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه باللَّيل القمر ، وظلاله في الشّتآء مشارق الأرض ومغاربها ، وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذّله ، دابّته رجلاه ، وخادمه يداه . فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فإنّ فيه أسوة لمن تأسّى ، وعزاء لمن تعزّى ، وأحبّ العباد إلى اللَّه المتأسّي بنبيّه ، والمقتصّ لأثره ، قضم الدّنيا قضما ، ولم يعرها طرفا ، أهضم أهل الدّنيا كشحا ، وأخمصهم من الدّنيا بطنا ، عرضت عليه الدّنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أن اللَّه سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقّر شيئا فحقّره ، وصغّر شيئا فصغّره ، ولو لم يكن فينا إلَّا حبّنا ما أبغض اللَّه ورسوله ، وتعظيمنا ما