تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
فقد ظهر واتّضح بذلك كلَّه أنّه عليه السّلام كان يعرف تفصيلا زمان قتله ومكانه كما ظهر دفع الاشكال فيه والاعتراض عليه بأنّه مع المعرفة التفصيليّة كان الواجب عليه حفظ نفسه وعدم إلقاءه لها إلى التهلكة . فان قلت : سلَّمنا هذا كلَّه ولكن ما تصنع بقوله عليه السّلام كم اطَّردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر فأبى الله إلَّا إخفاءه قلت : يمكن توجيهه بأن يكون المراد بهذا الأمر خفاء الحقّ ومظلوميّة أهله وظهور الباطل وغلبة أصحابه وكثرة أعوانه ، لأنّه عليه السّلام سعى في أوّل الأمر في أخذ حقّه غاية السّعى فلم يتيسّر وجرت أمور لم يكن يخطر ببال أحد وقوع مثله ، وفي آخر الأمر لمّا انتهى إليه وحصل له الأنصار والأعوان وجاهد في الله حقّ الجهاد وغلب على المنافقين سنحت فتنه التحكيم الَّتي كانت من غرايب الأمور ثمّ بعد ذلك لمّا جمع العساكر وأراد الخروج إليهم وقعت الطامة الكبرى ، فالمراد بالمكنون سرّ ذلك وسببه فظهر لي وأبى الله إلَّا إخفاءه عنكم لضعف عقولكم عن فهمه ، إذ هي من غوامض مسائل القضاء والقدر . وهذا التوجيه أورده المحدّث المجلسيّ في مرآة العقول نقلا عن بعضهم واستحسنه . ومحصّله أنّ المراد بالأمر المكنون في كلامه عليه السّلام سرّ غلبة الباطل على الحقّ وعلَّة مظلومية أهل الحقّ ، والمراد باخفاء الله إياه إخفاءه منهم لا منه عليه السّلام ، فيكون هذا الكلام منه نظير قوله عليه السّلام في الكلام الخامس : بل اند مجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة . قوله ( هيهات علم مخزون ) أي بعد الاطلاع على ذلك السّر فإنه علم مخزون ومن شأن المخزون أن يسرّ ويخفى . ثمّ شرع في الوصيّة فقال : ( أما وصيّتي فالله لا تشركوا به شيئا ) أي وحّدوه وأخلصوا العمل له والزموا أوامره ونواهيه ( ومحمّدا صلَّى الله عليه وآله فلا تضيّعوا سنّته ) أي لا تهملوها ، وهو أمر بلزوم شرايع الدّين وسلوك نهج الشرع المبين .