المضيّع عمره في سوء العمل ، فيبادرونه بمقامع من حديد ، ويستقبلونه بعظائم التّهديد ويسوقونه إلى العذاب الشّديد ، وينكسونه في قعر الجحيم ، ويقولون له : ذق إنّك أنت العزيز الكريم . فاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير ، ويوقد فيها السعير ، شرابهم فيها الحميم ، ومستقرّهم الجحيم ، الزّبانية تقمعهم ، والهاوية تجمعهم ، أمانيهم فيها الهلاك ، ومآلهم منها فكاك ، قد شدّت أقدامهم إلى النواصي ، واسودّت وجوههم من ظلمة المعاصي . ينادون من أكنافها ، ويصيحون في أطرافها ، يا مالك قد حقّ علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منا الجلود ، يا مالك أخرجنا منها فانّا لا نعود ، فتقول الرّبانية لات حين أمان ، لا خروج لكم من دار الهوان ، فاخسئوا فيها ولا تكلَّمون ، ولو أخرجتم لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون ، فعند ذلك يقنطون وعلى ما فرّطوا في جنب اللَّه يتأسّفون ، ولا يغنيهم الأسف ولا ينجيهم الندّم ، إذ زلَّت بهم القدم ، بل يكبّون على وجوههم مغلولين ، النار من فوقهم ، والنّار من تحتهم ، والنار عن أيمانهم ، والنّار عن شمائلهم . فهم غرقى في النّار ، طعامهم وشرابهم نار ، ولباسهم نار ، ومهادهم نار . فهم بين مقطعات النّيران ، وسرابيل القطران ، وضرب المقامع ، وثقل السّلاسل ، وهم يتجلجلون في مضايقها ، ويتحطَّمون في دركاتها ، ويضطربون بين غواشيها ، تغلي بهم النّار كغلى القدور ، ويهتفون بالويل والعويل والثبور ، ومهما دعوا بذلك صبّ من فوق رؤوسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد ، تهشم بها جباههم ، فيتفجّر الصّديد من أفواههم ، وتنقطع من العطش أكبادهم ، وتسيل على الخدود أحداقهم ويسقط من الوجنات لحومها ، ويتمعّط ( 1 ) من الأطراف جلودها ، وكلَّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 368
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٨
هامش
( 1 ) معط الشعر من باب تعب سقط .