بعدم اليمين إشعارا بأنّ اللازم على العبد في مقام تنزيهه سبحانه عن المثل والنّظير أن يكون تنزيهه له صادرا عن وجه كمال اليقين بحيث لو أراد الحلف بذلك أمكنه ذلك .
هذا إن جعلنا اليمين بمعنى القسم ، وإن كان بمعنى القوّة فالمقصود الاشعار بأن يكون تنزيهه صادرا عن قوّة القلب ولا يكون مضطربا فيه .
ولما شهد عليه السّلام في حقّ المشبّه بأنّه لم يعقد قلبه على معرفة الله سبحانه ولم يتيقّن تنزيهه عن المثل أكَّد ذلك بقوله ( وكأنه ) أي المشبّه للَّه بخلقه ( لم يسمع تبرّء التّابعين ) وهم عبدة الأصنام والأوثان ( من المتبوعين ) أي من آلهتهم يوم القيامة ( إذ يقولون ) حين ألقوا « في الْجَحيمِ * ( فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ والْغاوُونَ وجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ) * . . . * ( ( تَالله إِنْ كُنَّا ) ) * أي قد كنُّا * ( ( لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) وما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * فانّ المشبّهين لو سمعوا ذلك وعرفوا بذلك أي بتبرّء التّابعين من المتبوعين وبما حكى الله عنهم في الكتاب المبين ، لعقدوا قلبهم على المعرفة ، ونزّهوه سبحانه عن المثل والصفة ، كيلا يقعوا في الضّلالة الدّائمة والحسرة الباقية ، كما وقع فيها التّابعون بتلك الجهة .
فانّهم شهدوا على أنفسهم بالقسم البارّ بأنّهم في ضلال مبين ، وتحسّروا بأنهم ليس لهم من شافعين ولا صديق حميم . وتمنّوا الرّجوع إلى الدّنيا ليكونوا من المؤمنين ، كلّ ذلك من أجل تشبيههم الخالق بالخلايق وإبدائهم المساواة بين معبوداتهم الباطلة وبين ربّ العالمين ، وعدم كونهم بعلوّ شأنه سبحانه وجلالة قدره موقنين مذعنين
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 321
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢١