في حاشيته على الرسائل ( 1 ) .
الثاني من شروط الاستصحاب : كون الشك متعلقا بالبقاء وبقاء
اليقين بالحدوث . لان تعلق الشك بالحدوث انما هو ملاك قاعدة اليقين . ولا
اشكال في اخذ هذا الشرط ولا خلاف فيه . وانما تعرض لذكره الاعلام لبيان انه
هل يمكن استفادة القاعدة من اخبار الاستصحاب مضافا إلى الاستصحاب أو
لا ؟ . وقد ( 2 ) ، أفيد في منع استفادة - كلتا القاعدتين من اخبار الباب وجوه :
هامش
( 1 ) الفقيه الهمداني . هامش فرائد الأصول / 403 - الطبعة الأولى .
( 2 ) مما أفيد في منع شمول الاخبار لكلتا القاعدتين ما ذكره الشيخ ( ره ) : من أن المناط في القاعدتين مختلف
بحيث لا يجمعها مناط واحد ، فان مناط الاستصحاب اتحاد متعلق الشك واليقين مع قطع النظر عن
الزمان لتعلق الشك في بقاء ما تيقنه سابقا ، ولازم ذلك كون القضية المتيقنة - كعدالة زيد يوم الجمعة -
متيقنة حال الشك أيضا من غير جهة الزمان . ومناط قاعدة اليقين اتحاد المتعلقين من جهة الزمان ، ومعناه
أنه شاك في نفس ما تيقنه سابقا بوصف وجوده السابق .
وعلى هذا فالقاء الشك في الاستصحاب يرجع إلى التعبد ببقاء المتيقن في السابق من غير تعرض لحال
حدوثه . وإلغاؤه في القاعدة يرجع إلى التعبد بحدوث ما تيقنه سابقا من غير تعرض لبقائه واختلاف
مؤدي القاعدتين وإن لم يمنع من إرادتهما من كلام واحد بان يقول : " وإذا حصل شك بعد يقين فلا عبرة
به سواء تعلق بحدوثه أم ببقائه والحكم بالبقاء في الثاني وبالحدوث في الأول " لكنه مانع من أرادتها من
مثل قوله : " فليمض على يقينه " فان المضي على اليقين في الاستصحاب يغاير المضي عليه في القاعدة
فإنه فيه يرجع إلى الحكم بعدالته بقاءا ، وفيها يرجع إلى الحكم بعدالته حدوثا من دون تعرض لما بعده ،
وإرادة كلا المعنيين من اللفظ الواحد ممتنع .
ثم إنه ( ره ) أورد على نفسه بان المضي على اليقين معناه عدم التوقف لأجل الشك وفرض الشك
كعدمه ، وهذا يختلف تطبيقا باختلاف متعلق الشك ، فان تعلق الشك بالحدوث ، فالغاؤه يرجع إلى الحكم
بالحدوث ، وإن تعلق بالبقاء فالغاؤه يرجع إلى الحكم بالبقاء ، فلا تعدد في معنى المضي وإنما التعدد في
المصداق .
وأجاب عنه بجواب لا تخلو عبارته من إجمال والذي نستظهره منها هو : إن ظاهر النصوص اتحاد
متعلق اليقين والشك ، وإن الشك لا بد وأن يكون متعلقا بما تعلق به اليقين .
وعليه ففي مقام الحكم إما أن يلاحظ الحاكم الشك المتعلق بما تعلق به اليقين مجردا عن الزمان
فالمضي عليه عبارة عن الحكم باستمراره المتيقن ، وأما أن يلاحظه مقيدا بزمان اليقين فالمضي عليه عبارة
عن الحكم بحدوث المتيقن ، ولا يمكنه أن يلحظه مقيدا ومجردا ، فليس مرداه من عدم تعدد فرد اليقين
والشك عدم تعدده في الخارج ، فإنه مما يكذبه الوجدان خصوصا إن لو حظ ذلك بالنسبة إلى شخصين
فكان الشك في الحدوث حاصلا عند غير من حصل عنده الشك في البقاء ، بل مراده عدم التعدد في
مقام الحكم والتعبد وإن الحاكم إما أن يلحظ الشك مجردا أو مقيدا ، فقوله ( قده ) : و " الشك له له هنا
فردان " يقصد به ليس له في مقام الحكم ، لا في الواقع كما حملت عليه عبارته ووجهت ببعض التوجيهات
المردودة ، فراجع تقريرات الكاظمي .
وما أفاده الشيخ ( ره ) بهذا التقريب قابل للمناقشة ، وذلك لما تقدم من أن وحدة متعلق اليقين والشك
تتحقق بتقيد متعلق الشك بكل ما هو مقوم لمتعلق اليقين وهو ما كان له إضافة إليه وارتباط به فيصدق
عند ذلك حقيقة الشك في نفس ما تعلق به اليقين .
ومن الواضح أن الزمان ليس من مقومات متعلق اليقين إذ لا إضافة له بالنسبة إليه بل هو ظرف
لتحققه ، فاليقين يتعلق بذات العدالة ، فوحدة متعلق الشك مع متعلق اليقين لا . تقتضي أكثر من تعلق
الشك بذات العدالة مع قطع النظر عن الزمان السابق أو اللاحق ، فلا مقتضى للحاظه مجردا أو مقيدا
بالزمان حتى يتأتى المحذور السابق ، فإذا تعلق الشك بالعدالة حدوثا أو بقاءا ، يصدق حقيقة قول
القائل : " إذا تيقنت بشئ وشككت فيه " .
وعليه فاطلاق الدليل يمكن أن يكون شاملا لكلا الموردين .
وتحقيق الحال في أصل المسالة أن يقال : إن الملحوظ في قاعدة اليقين - بحسب اصطلاح الاعلام -
وإن كان هو الحدوث لكن من المعلوم أن ذلك بلحاظ ترتيب الأثر بقاء وفي حال الشك ولذا لو لم يكن
للامر المتيقن الحدوث أثر شرعي بقاء فلا جدوى في التعبد بالحدوث بل يكون لغوا .
وإذا فرض أن محل البحث هو مورد ترتب الأثر بقاء ، كما لو تحقق الطلاق في حضور من يقطع بعدالته
ثم بعد مدة شك في عدالته حال الطلاق ، فان ثبوت العدالة في حال الطلاق له أثر بقاء وفي حال الشك
وهو زوال الزوجية فعلا بخلاف ما لو لم يكن عادلا فان أثره بقاء الزوجية بالفعل ، وهكذا لو تيقن بأداء
الصلاة الصحيحة وترتب عليه جواز الاكتفاء بها ، ثم شك بعد ذلك في صحة صلاته ، فان لصحة الصلاة
في ظرفها أثرا بالفعل وهو جواز الاكتفاء بها في مقام الامتثال - أمكن أن يقال : بان الأثر الشرعي يشك
في بقائه فعلا بعد اليقين بحدوثه وشكه في البقاء وإن كان مصحوبا بالشك في الحدوث لكون المفروض
سراية الشك إلى الحدوث - إلا أن ذلك لا يمنع من صدق الشك في البقاء .
نعم موضوع الأثر قد لا يكون له بقاء كمثال الصلاة أو يكون له ولكن أثره الشرعي بالمشكوك
أثر الحدوث لا أثر البقاء كمثال الطلاق .
إلا أن هذا ليس بمهم بعد أن كان الأثر مشكوك البقاء في جميع الفروض .
وإذا كان الامر بالنسبة إلى الأثر كذلك أمكن أن يقال بتطبيق الاخبار المتضمنة للتعبد بالبقاء على
الأثر نفسه ، فهو متيقن الحدوث سابقا ، ويشك في بقائه فعلا ، فيكون مشمولا للتعبد بالبقاء مع غض
النظر عن حدوثه .
وبعبارة أخرى : إن الاخبار تتضمن التعبد بالمشكوك في ظرف الشك إذا كان مسبوقا باليقين ، وهي
بذلك كما تنطبق على موارد الاستصحاب تنطبق على موارد قاعدة اليقين بالبيان الذي عرفته فان الأثر
متعلق للشك بالفعل بعد أن كان متعلقا لليقين فتتكفل الاخبار التعبد به .
نعم لا تشمل الموارد التي لا يكون الأثر مقارنا لحدوث الموضوع بل يكون متأخرا عنه وجودا كما
لو فرض أن عدالة زيد يوم الجمعة موضوع لوجوب التصدق يوم الأربعاء ، فإنه إذا شك يوم الأربعاء
في عدالة زيد يوم الجمعة بعد أن كان متيقنا بها ، فليس لديه شك في بقاء وجوب التصدق بل في حدوثه
ولا يكون التعبد به تعبدا بالبقاء .
ولكن مثل هذا المورد نادر الوقوع فلا يضر الالتزام بخروجه .
هذا مع أنه بناء على جريان الاستصحاب في الحكم التطبيقي ، يمكن أن يلتزم بنظيره هنا فإنه باليقين
سابقا بالعدالة يوم الجمعة حصل لديه يقين بالوجوب التعليقي للتصدق ، فيشك يوم الأربعاء في العدالة ،
يحصل لديه الشك في بقاء الوجوب التعليقي فيصح التعبد به ، كما به في موارد الاستصحاب ، ويصل
إلى مرحلة الفعلية عند حصول المعلق عليه .
وجملة القول : إنه لا إشكال في شمول الاخبار لموارد قاعدة اليقين مع الاستصحاب لا من ناحية
الموضوع وهو الشك ولا من ناحية الحكم وهو التعبد بالبقاء ، إذ عرفت تعلق الشك في موارد القاعدة
بالبقاء ، كموارد الاستصحاب ، كما أن التعبد فيها يمكن أن يكون بالبقاء من دون تعرض لحال الحدوث
فلا يلزم اجتماع لحاظين ونحو ذلك .
هذا ، ولا يخفى عليك أن المعتبر في موارد قاعدة اليقين هو اليقين السابق والشك اللاحق بحيث لا
يجتمع الوصفان في زمان واحد .
وعلى هذا فقد يشكل شمول الاخبار لتلك الموارد بان ظاهر الاخبار ثبوت اليقين الفعلي كسائر
الموضوعات المأخوذة في الاحكام فان دليلها ظاهر في موضوعية الوجود الفعلي للحكم ، فقوله ( ع ) : " لا
ينقض اليقين بالشك " ظاهر في أخذ فعلية اليقين كالشك في حرمة النقض وهذا يختص بموارد
الاستصحاب لوجود اليقين الفعلي بالحدوث والشك الفعلي في البقاء .
والجواب عن هذا الاشكال : إن ظاهر الاخبار أن المعتبر هو اليقين السابق بالشئ والشك اللاحق به
سواء كان الشك متعلقا بالبقاء خاصة أو ساريا إلى الحدوث ، فيعتبر أن يسبق اليقين الشك زمانا فلا
عبرة باليقين المتأخر عن الشك أو المقارن له حتى في موارد الاستصحاب ، ومقتضى ذلك اختصاص
الاستصحاب بموارد يكون اليقين بالحدوث فيها سابقا على الشك في البقاء ، فتكون الاخبار دالة على
قاعدة عامة وهي إلغاء الشك المتأخر عن اليقين وهذه القاعدة ليست بقاعدة اليقين بالمعنى المصطلح
عليه الراجع إلى التعبد بالحدوث لما عرفت من كون التعبد بالبقاء . وليست بالاستصحاب بالمعنى
المتداول لدى الأصحاب ، بل هي شاملة لبعض موارد قاعدة اليقين والاستصحاب بمعناهما
الاصطلاحي وموارد الاخبار لا تأبى من الحمل على هذا المعنى لتحقق اليقين السابق والشك اللاحق
فيها . والقرينة على ما ادعيناه من الظهور أمران :
أحدهما : التعبير في بعض نصوص الباب بقوله : " لأنك كنت على يقين " أو : " من كان على يقين
فشك " فان هذا التعبير صريح في كون الموضوع هو اليقين السابق لا اليقين الفعلي .
والاخر : إسناد النقض إلى الشك ، فإنه ظاهر في فرض كون الشك مما يحتمل فيه أن يكون ناقضا
لليقين حتى يصح النهي عنه . ومن الواضح أن هذا إنما يتأتى في الشك اللاحق لليقين لأنه رافع
لاستمرار اليقين وقاصم لوحدته الاستمرارية . وأما الشك المقارن لليقين فلا موهم . لكونه ناقضا كيف ؟
والمفروض اجتماعهما في آن واحد ، وبعبارة أخرى : إن اجتماع اليقين والشك لا يمكن تعقله إلا بتقيد
متعلق اليقين بالزمان السابق فيتيقن بالعدالة السابقة بما هي كذلك ويشك في العدالة الفعلية ، ولا يخفى
أن الشك المزبور لا يتوهم كونه ناقضا لليقين المزبور لاختلاف المتعلقين ، وبواسطة ذلك ترفع اليد عن
ظهور لفظ " اليقين " أو قوله : " فإنه على يقين من وضوئه " في كون المدار على اليقين الفعلي قياسا على
سائر الموضوعات .
والخلاصة : إن الاخبار ظاهرة في تقوم التعبد بسبق اليقين ولحوق الشك ولا صارف لظهورها في ذلك .
ونتخلص بذلك عن اللجوء إلى دعوى إرادة المتيقن من لفظ اليقين التي يشكل تصويرها وإثباتها لأنها
متفرعة على اعتبار اليقين الفعلي الذي لا يصح إسناد النقض عليه - فراجع ما تقدم في صحيحة زرارة
الأولى تعرف - .
ومن هنا يظهر اندفاع إشكال المعارضة بين القاعدة والاستصحاب الذي بنى عليه الشيخ ، فإنه
متفرع عن اعتبار اليقين الفعلي في باب الاستصحاب فيتحقق موضوعه بالفعل لليقين بالفعل بعدم
عدالته في الزمان السابق على اليقين به مع تحقق موضوع القاعدة كما هو المفروض فيتعارضان .
أما على ما اخترناه من اعتبار اليقين السابق في الاستصحاب والشك الذي يتوهم نقضه به فلا
موضوع له لان انتقاض اليقين السابق بالشك يتقوم باتصال زمان اليقين بزمان الشك ، والمفروض عدمه
لتخلل اليقين بالعدالة بينهما ، فيكون ناقضا لليقين السابق بعدم العدالة ، فلا يكون الشك الفعلي ناقضا
لليقين الأسبق بعدم العدالة بل يكون ناقضا لليقين بالعدالة فيكون المورد من موارد قاعدة اليقين فقط .
نعم الشك الفعلي مجتمع مع اليقين الفعلي بعدم عدالة زيد سابقا ، ولكن عرفت أنه ليس موضوع
الاستصحاب .
ويتضح من مجموع ما ذكرناه : أنه لا اشكال على ما قررناه من دلالة الاخبار على القاعدتين بالشكل
الذي عرفته لا من ناحية الثبوت ولا من ناحية الاثبات .
وهذا الوجه لم يعهد من أحد الالتزام به بل التنبه إليه ، فتدبره فإنه بالتدبر حقيق .
ثم إنه قد يشكل ما قررناه بأنه يقتضي سد باب الاستصحاب في كثير من موارد الشبهات الحكمية
بالنسبة إلى المجتهد ، بيان ذلك : إن سيرة المجتهدين قائمة على إجراء الاستصحاب عند الشك في سعة
الحكم الكلي الإلهي وضيقه سواء تعلق الحكم به أم بمقلديه كما لو شك في بقاء نجاسة الماء المتعين إذا
زال تغيره من قبل نفسه ، أو شك في استمرار خيار الغبن أو فوريته ، ونحو ذلك ، من غير فرق بين أن
يكون موضوع الحكم فعليا كما لو كان لديه ماء متغير أو لم يكن فعليا بل فرضيا ، فإنه يجري
الاستصحاب ويفتي على طبقه بالفعل ، ويعمل به مقلدوه ، ولو لم يحصل لديهم يقين وشك في ظرفه .
وقد وجه ذلك بان يقينه وشكه بمنزلة يقينهم شكهم وهذا التنزيل تقتضيه أدلة الافتاء .
وقد تعرضنا لبيان الاشكال وحله - بصورة مفصلة - في أول مبحث القطع .
ولا يخفى أن هذا يبتني على فرض موضوع الاستصحاب هو اليقين الفعلي فان المجتهد يحصل لديه
يقين بالفعل بنجاسة الماء عند تغيره وشك في بقائها على تقدير زوال التغير ، فهو يجري الاستصحاب
بلحاظ حالة التغير وزوالها .
وأما بناء على اعتبار اليقين السابق والشك اللاحق ، فيشكل الامر في مثل هذه الاستصحابات ،
لعدم الترتب الزماني بين اليقين والشك بالنسبة إلى المجتهد ، بل اليقين والشك يحصلان دفعة بل قد
يتقدم الشك على اليقين ، وأما المقلد فالمفروض أنه غافل عن هذه الخصوصيات . فكيف يفتي المجتهد
له بل لنفسه بنجاسة الماء المتغير إذا زال عنه التغير استنادا إلى الاستصحاب ؟ مع عدم تحقق موضوعه
لا عنده ولا عند مقلده .
وهذا الاشكال لا محيص عنه ولكنه لا يختص بالمبنى الذي قربناه بل يعم المبنى الاخر ، فلا يصح
إجراء الاستصحاب بالنسبة إلى الحكم الكلي إذا لم يتحقق موضوعه بالفعل حتى على الالتزام بان
موضوع الاستصحاب هو اليقين الفعلي بالحدوث والشك في البقاء لوجوه :
الأول : إن اليقين بالحكم على تقدير حصول موضوعه كاليقين بالخيار على تقدير تحقق البيع الغبني ،
مرجعه في الحقيقة إلى اليقين الفعلي بالملازمة بين الموضوع والحكم ، وأما الحكم فليس بمتيقن بالفعل لا
بوجوده المطلق ولا بوجوده الخاص المقيد بالموضوع ، إذ قد لا يحصل الموضوع بل قد يكون ممتنعا -
كما في مثل : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا - فكيف يكون الحكم متيقنا ؟ والملازمة ليست مجرى
الاستصحاب لأنها غير مشكوكة البقاء وإنما الشك في سعة اللازم - وهو الحكم - وضيقه ، مع أنها ليست
بأمر شرعي .
الثاني : إن الحكم الاستصحابي كسائر الاحكام له مقام جعل ومقام فعلية . والأول : متحقق بانشائه ،
والثاني : يتحقق بفعلية موضوعه وهو اليقين والشك ، ومقتضى ذلك أنه لو حصل اليقين والشك لزم أن
يكون الحكم الاستصحابي فعليا ، وبعبارة أخرى : إن الاستصحاب في مقام تطبيقه يلزم أن يكون فعليا .
وعليه نقول : إن مؤدى الاستصحاب هو استمرار الحكم الثابت ، ومن الواضح أن فعلية الاستمرار
فرع فعلية الحدوث ، ففي ظرف تطبيق المجتهد الاستصحاب لتحقق موضوعه لديه لا يكون الحكم
فعليا إذ لا معنى للحكم الفعلي بالاستمرار فلا معنى لفعلية الاستصحاب ، وفي الظرف القابل
للاستمرار قد يكون المجتهد غافلا بل قد يكون ميتا فلا يقين ولا شك حينئذ . فلا يصح جريان
الاستصحاب .
الثالث : إن الاستصحاب يعتبر في تطبيقه الاستمراري استمرار موضوعه أعني : اليقين والشك - فلا
يكفي حدوثهما في إجراء الاستصحاب إلى الأبد ، وعليه يقال : إن اليقين والشك الحاصلين للمجتهد عند
تصديه للاستنباط إما أن لا يستمر إلى ظرف فعلية الحكم أو يكونا مستمرين . وعلى كلا التقديرين لا
جدوى في الاستصحاب الفعلي .
أما على الأول : فواضح لان انتقاض اليقين والشك في ظرف العمل يستلزم انتفاء الحكم الاستصحابي
حينئذ ويكون الحكم الاستصحابي السابق لغوا محضا سواء كان دليل الاستصحاب يتصدى لجعل
المنجزية والمعذرية أو يتصدى لجعل الحكم المماثل ، إذ لا معنى للتنجيز السابق للحكم الذي يرتفع في
ظرف العمل ومثله الحكم المماثل السابق لأنه بلحاظ الطريقية إلى الواقع . فيكون المورد من قبيل جعل
الحكم الفعلي قبل ظرف العمل ثم رفعه في ظرف العمل . فان ذلك لغو محض .
وأما على الثاني : فلا مقتضي لاجراء الاستصحاب من حين حدوث اليقين والشك بل يجري في ظرف
العمل ، لعدم الفائدة في أجراءه السابق . وبعبارة مختصرة : إنه لا أثر عملي للتنجيز السابق على ظرف
العمل ، بل المدار على ظرفه فاما أن يكون موضوع الحكم الظاهري متحققا فهو أو غير متحقق فيتعبد
به على الأول دون الثاني .
وبهذا الوجوه : تعرف أن إشكال امتناع المجتهد عن إجراء الاستصحاب في موارد عدم فعلية
الموضوع لا يختص بالمبنى الذي قربناه بل يعم المبنى المشهور المعروف ، فالتفت .
وعلى هذا فلا نرى وجها صالحا لرفع اليد عن ظهور النصوص فيما عرفت وهو سبحانه ولي التسديد
في القول والعمل .