تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منتقى الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد الحسيني الروحاني — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
ويبقى في المقام تنبيهان اخران ذكرهما الشيخ في الرسائل ، لا بد من التعرض لهما لما يترتب عليهم من آثار عملية . اما التنبيه الأول : فالكلام فيه حول استصحاب الصحة . ( 1 )
هامش
( 1 ) لا يخفى أن البحث في استصحاب الصحة عند طرو مشكوك المانعية أو القاطعية بحث صغروي لا كبروي ومرجعه إلى تشخيص أن المورد من موارد الاستصحاب بالحدود المقررة له أو لا ؟ نظير مبحث استصحاب العدم الأزلي على ما تقدم في محله . وتحقيق الكلام في استصحاب الصحة عند وجود مشكوك المانعية ، كالتبسم في الصلاة - مثلا - بنحو يستوعب جميع احتمالاته أن يقال : إن الصحة كما بين في محله بمعنى التمامية ، والتمامية من الأمور الإضافية التي تختلف باختلاف الأثر الملحوظ والنتيجة المترقبة فقد يكون العمل تاما من جهة وليس تاما من جهة أخرى . وعليه نقول : إن الصحة المشكوكة عند طرو مشكوك المانعية إما أن يراد بها تماميته من حيث ترتب الأثر وإما أن يراد بها التمامية من حيث موافقة الامر ، أو من حيث سقوط الامر . أما الصحة من حيث ترتب الأثر بمعنى المصلحة المترتبة على العمل ، فان أريد بها صحة مجموع العمل فهي مشكوكة الحدوث فلا معنى لاستصحابها ، وإن أريد بها صحة الأجزاء السابقة فتحقيق الحال فيها : إن الأثر المترتب على العمل تارة يكون ترتبه دفعيا يحصل بالاتيان بجميع الاجزاء فلا يترتب على كل جزء جزء أي شئ وأخرى يكون ترتبه تدريجيا بحيث تحصل مرتبة منه عند أول جزء وهكذا يتصاعد بتحقق الاجزاء إلى أن يتحقق بكامله عند تحقق الجزء الأخير ، نظير الحرارة المتصاعدة تدريجا باستمرار النار . وعلى هذا التقدير فشأن حدوث المانع في الأثناء . إما المنع عن ترتب مراتب الأثر على الاجزاء اللاحقة . إما المنع عن ترتب مراتب الأثر على الاجزاء اللاحقة . وإما رفع الأثر المترتب على الجزء السابق ، نظير الماء البارد والملقى على الماء المغلي فإنه يرفع الحرارة الثابتة للماء . وإما دفع الأثر المترتب على الجزء السابق بان يكون ترتب الأثر عليه مقيدا ومنوطا بعدم حصول المان ع ، فيصير حاصل الاحتمالات أربعة . أما على الاحتمال الأول : - وهو ما إذا كان ترتبه دفعيا عند حصول جميع أجزاء العمل - فلا مجال للاستصحاب لعدم اليقين بحدوث الصحة قبل انتهاء العمل . وأما على الاحتمال الثاني : فعند حصول المشكوك يشك في ترتب الأثر على الاجزاء اللاحقة وهو غير مسبوق باليقين بل هو مشكوك الحدوث رأسا فلا يجري الاستصحاب بلحاظها ، وأما بلحاظ الأجزاء السابقة فلا شك في البقاء لان الأثر المترتب على الجزء لا يرتفع بالمانع على الفرض فالبقاء متيقن . وأما على الاحتمال الرابع : فصحة الأجزاء السابقة مشكوكة الحدوث رأسا عند حصول مشكوك المانعية . نعم على الاحتمال الثالث : يكون لدينا يقين بالحدوث وشك في البقاء لليقين بتحقق مرتبة من الأثر والشك في زوالها ، ولكن لا يخفى عليك أن الصحة بهذا المعنى ليست حكما مجعولا ولا موضوعا لحكم مجعول ، فلا تكون مجرى الاستصحاب . والذي يتلخص أن الصحة بمعنى ترتب الأثر لا تكون موردا للاستصحاب بتاتا . ولكن الذي يبدوا لنا بوضوح : أن الصحة بلحاظ ترتب الأثر يراد بها غير ما ذكرناه تبعا لبعض الاعلام ، إذ المبحوث عنه في المسالة هو إثبات عدم مانعية المشكوك بالاستصحاب وتمامية العمل والاكتفاء به في مقام الامتثال بحيث لا تجب عليه الإعادة وهذا أجنبي بكل معنى الكلمة عن ترتب المصلحة على العمل وعدمه فالملحوظ في الأثر هو الاكتفاء به في مقام الامتثال لا ترتب المصلحة عليه ، ومنه ظهر الاشكال في كلمات المحقق الأصفهاني ( ره ) فلا حظ . وكيف كان فإذا عرفت أن البحث عن الصحة بلحاظ الاكتفاء بها في مقام الامتثال ، فقد يقال : إن جواز الاكتفاء في مقام الامتثال مما تناله يد الجعل الشرعي كما في موارد قاعدتي الفراغ والتجاوز ، سواء كان مجعولا رأسا أو بتبع غيره فان ذلك لا يهم ، بل المهم إنه مما يقع موردا للتعبد الشرعي . وعليه فيمكن أن يكون مورد للاستصحاب فيما نحن فيه فان العمل قبل حصول مشكوك المانعية كان مما يكتفى به في مقام الامتثال المشكوك يشك في بقاء صحة بهذا المعنى ، فتستصحب . ولكن يرد عليه : إن المقصود إن كان استصحاب صحة مجموع العمل فهو بعد لم يتحقق ، فلا يقين بالحدوث . وإن كان استصحاب صحة الاجزاء المتحققة فقط ، فهي غير مشكوكة البقاء لأنها وقعت امتثالا فلا تنقلب عما وقعت عليه ، وإنما يشك في تحقق سائر الأجزاء والشرائط وامتثال الامر من جهتها . فاستصحاب الصحة لا يجري إما لعدم اليقين بالحدوث أو لعدم الشك في البقاء . وقد يجعل مورد الاستصحاب المزبور هو الاجزاء اللاحقة لكن بنحو الاستصحاب التعليقي ، فيقال : إن الاجزاء اللاحقة كانت قبل عروض مشكوك المانعية مما يكتفى بها في مقام الامتثال لو وجدت ، فالآن كذلك . ولكن للتأمل في هذا الاستصحاب - مع قطع النظر عن ابتنائه على جريان الاستصحاب التعليقي الذي لا نقول به في الاحكام والموضوعات كما تقدم - مجال واسع وذلك لوجهين : الأول : إن الاكتفاء بالعمل في مقام الامتثال وإن سلم أنه مما يقع موردا للتعبد الشرعي كموارد قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز والأوامر الظاهرية ، إلا أنه تابع للدليل عليه ، ولذا لا يكون شرعيا مع الاتيان بالأمور به بالأمر الواقعي بل يكون عقليا تصدي الشارع للتعبد به بل هو مما يحكم به العقل . وعليه نقول : إن جواز الاكتفاء في مقام الامتثال الثابت للاجزاء ليس مما تعبد به الشارع بل هو مما يحكم به العقل باعتبار موافقة الامر الواقعي . فلا مجال لجريان الاستصحاب فيه لأنه حكم عقلي أولا ، ولتبدل الموضوع ثانيا ، لان كل ما يكون دخيلا في الحكم العقلي يكون مأخوذا في موضوعه . ومن الواضح أن العقل كان يحكم بالاكتفاء بالاجزاء مقيدا بعدم مشكوك المانعية لأجل إحراز موافقة الامر ، فمع حصول المشكوك يتبدل الموضوع ، للشك في موافقة الامر . الثاني : إن المورد ليس من موارد الاستصحاب التعليقي الذي تقدم الكلام فيه نفيا وإثباتا ، وذلك لان موضوع الاستصحاب التعليقي هو ما إذا كان الحكم ثابتا لموضوع موجود بالفعل على تقدير شرط لم يتحقق بعد ، كالحرمة الثابتة للعنب على تقدير الغليان ، فإذا تبدل إلى الزبيب يقال : هذا كان محرما على تقدير الغليان فالآن كذلك . فموضوع الحكم موجود بالفعل ويكون للحكم التعليقي - بما هو تعليقي - ثابتا له بالفعل . وما نحن فيه ليس كذلك ، لان الاكتفاء في مقام الامتثال المترتب على الاجزاء اللاحقة ليس موضوعه طبيعي الاجزاء وشرطه هو وجودها ، فيقال : إن طبيعي الاجزاء يكتفى به في مقام الامتثال على تقدير وجوده ، كي يجري الاستصحاب التعليقي عند طرو مشكوك المانعية ، لان الموضوع غير الشرط الذي لا وجود له فيمكن فرضه بالفعل وقبل وجوده الذي هو الشرط . وإنما موضوعه هو وجود الطبيعة فإنه هو الذي يكتفى به في مقام الامتثال ، فقبل وجود الاجزاء ليس لدينا ما يقال إنه كان يكتفى به في مقام الامتثال على تقدير والآن كذلك . وعند وجودها يكون الاكتفاء مشكوك الحدوث رأسا ، فلا مجال للاستصحاب المدعى . وأما الصحة من حيث موافقة الامر ، فالكلام في استصحابها هو الكلام في استصحاب الصحة بلحاظ مقام الامتثال من عدم الشك في البقاء لو أريد صحة الأجزاء السابقة وعدم اليقين بالحدوث لو أريد بها صحة المجموع المركب ، وكونه من الاستصحاب التعليقي الذي عرفت إشكاله لو أريد صحة الأجزاء السابقة . هذا مع أن موافقة الامر ليست من الأمور الشرعية بل هي تنتزع عن مطابقة المأتي به للمأمور به وليست مجعولة بل تتحقق بتحقق أمرين والعمل الخارجي المطابق . ومن الواضح إنها تبتني على وجود الامر في مرحلة سابقة على العمل ، إذ لا يتعلق الامر بما هو موجود كي يكون المأتي به قبل الامر مطابقا للمأمور به بعد الاتيان . ومن هنا اتضح أن الامر الشرعي وإن كان دخيلا في انتزاع عنوان الموافقة لكن ذلك لا ينفع في قابلية الموافقة للجعل والرفع ولو بلحاظ منشأ انتزاعه ، لان الامر لو كان هو الجزء الأخير من العلة لأمكن الالتزام بذلك ، لكن عرفت أنه أسبق من الجزء الآخر وهو العمل الخارجي ، فالجزء الأخير لانتزاع عنوان الموافقة هو عمل المكلف وهو ليس بشرعي ، فتدبر . ومن هنا يظهر الاشكال فيما أفاده المحقق العراقي من جريان استصحاب الصحة بمعنى موافقة الامر ببيان أنها شرعية لشرعية منشأ انتزاعه وهو أمر الشارع وتكليفه ، وقد عرفت منع كونها شرعية ، كما أن ما أفاده في تقريب جريانه بان الموافقة من الأمور التدريجية بتدرج الاجزاء ، فمع الشك في مانعية الموجود يجري استصحاب الموافقة على نحو جريانه في سائر الأمور التدريجية ، يرد عليه أن جريان الاستصحاب في الامر التدريجي إنما ينفع في إثبات الامر التدريجي بمفاد كان التامة كبقاء النهار والكلام والجريان ولا ينفع في إثبات اتصاف الموجود بالوصف التدريجي ، فلا يثبت باستصحاب النهار نهارية الموجود . وعليه فاستصحاب الموافقة التدريجية لا يثبت سوى بقائها وأما اتصاف المأتي به بالموافقة فهو لا يثبت بالاستصحاب . ومحل الأثر هو كون المأتي به موافقا له ، فلا حظ . وأما الصحة من حيث بقاء الامر بالعمل وعدم سقوطه فتحقيق الحال فيها : إن الامر الذي يتعلق بالمركبات التدريجية كالصلاة إما أن يلتزم بأنه موجود دفعة من حين العمل ، غاية الأمر أن داعويته واقتضاءه تدريجي الحصول بتدرج العمل فعند أول جزء يكون داعيا إليه وبعد إتيانه يدعو للجزء الاخر وهكذا . وإما أن يلتزم بأنه موجود تدريجا بتدريج العمل ، فيحصل جزء منه عند أول جزء ثم يحصل جزء آخر منه عند الجزء الآخر من العمل وهكذا ، ومبنى هذا القول هو الالتزام باستحالة الواجب المعلق ، فيستحيل الحكم الفعلي من الآن بجميع أجزاء العمل التدريجي لان تعلقه بغير الجزء الأول يكون من قبيل الواجب المعلق . فعلى المبنى الأول ، إذا تخلل مشكوك المانعية يحصل الشك في سقوط اقتضاء الامر بالنسبة إلى الجزء اللاحق لحصوله بعد إتيان الجزء السابق وقبل الاتيان بمشكوك المانعية ، فقد يقال باستصحاب اقتضاء الامر بالنسبة إلى الجزء اللاحق ويترتب عليه لزوم إتيانه ، ولكن لا يخفى أن اقتضاء الامر ليس أمرا شرعيا ولا موضوعا لحكم شرعي فلا مجال للاستصحاب . وأما على لمبنى الثاني ، فتخلل مشكوك المانعية يوجب الشك في سقوط الامر المتعلق بالجزء اللاحق لحصوله بعد إتيان الجزء السابق وقبل إتيان المشكوك . والامر مما يمكن استصحابه ويترتب عليه لزوم الاتيان به عقلا ويحصل الامتثال . لكن المبنى نفسه ما لا نلتزم به كما حقق في محله . فتلخص : أن استصحاب الصحة بجميع احتمالاته لا مجال له إلا على فرض واحد لا نلتزم بمبناه ، فتدبر . وبملاحظة هذه الشقوق في استصحاب الصحة تعرف القصور في كلمات الشيخ والمحقق النائيني لعدم استيعابها لجميع هذه الشقوق ، والأمر سهل . هذا تمام الكلام في استصحاب الصحة عند طروء مشكوك المانعية .