الصحة الواقعية لا الصحة عند الفاعل . وهذه المسألة خلافية ، وقد التزم بها
بعض ، وتحقيق أحد الطرفين فيها يكون في بعض جهات الكلام في أصالة الصحة ،
وموضوعها ان دليل أصالة الصحة هل هو يقتضى ترتيب آثار الصحة الواقعية
على العمل أو الصحة الفاعل ؟ فراجع .
الجهة الثالثة : فيما استثناه السيد الخوئي ( حفظه الله ) - أعني باب النكاح
- مستدلا بما ورد من أن لكل قوم نكاحا . ومن الواضح ان هذا النص أجنبي
عما نحن فيه ، فإنه وارد لبيان إلغاء اعتبار الشروط المأخوذة في النكاح شرعا
بالنسبة إلى نكاح غير المسلمين ، وان صحة النكاح بالنسبة إليهم مترتبة على
ملاحظة الشروط المعتبرة لدينهم في النكاح ، وذلك لان مقتضى عموم أدلة اعتبار
الشروط هو اعتبارها في صحة كل نكاح سواء صدر من مسلم أو من غيره ، فهذا
النص ورد لتخصيص اعتبار تلك الشروط الواقعية في نكاح المسلمين فقط ،
فصحة نكاح المسلم تتوقف على توفره على الشروط المعتبرة فيه ، فإذا اختلف
شخصان في ذلك وبنى أحدهما على فقدان نكاح الآخر لبعض الشروط لا يجوز
ترتيب آثار الصحة عليه ، إذ النص المذكور لا يشمل مثل ذلك ، وانما هو ناظر
إلى نكاح غير المسلمين من أقوام الكفر ، فلا يلغي اعتبار الشرط الواقعي
بالنسبة إلى نكاح المسلم إذا كان يرى عدم اعتباره ، بل هو يؤكد اعتبارها
ويخصصه بنكاح المسلمين .
هذا تمام الكلام في هذا التنبيه . وبه يتم الكلام في الاجزاء ( 1 ) ( * ) .
هامش
( 1 ) وقد تم تدريسا في يوم 14 / ع 1 / 85 وكتابة في يوم 2 / ع 2 / 85 ، ، إذ لم أكن في المباحث الأخيرة
في النجف الأشرف ، وقد كرر تقريرها علي سيدنا الأستاذ ( دام ظله ) ، فلا زال متفضلا .
( * ) ملخص ما أفيد في الدورة المتأخرة في النجف الأشرف حول إجزاء الامر الظاهري
الوجه الثالث : من وجوه الاشكال على صاحب الكفاية هو : ان دليل التوسعة لا بد وأن يأخذ الطهارة
مفروغا عنها ، ثم يثبت سعة الشرطية ، مع أنه في مقام جعل الشرطية .
والجواب : إنه بمقتضى الحكومة يتكفل التوسعة بالمدلول الالتزامي ، فهو بالمطابقة يتكفل جعل الطهارة
المستلزم لترتب الأثر وهو الشرطية ، فتكون دلالته على التوسعة بالالتزام نظير سائر موارد الحكومة المتكفلة
للتوسعة . فتدبر .
كما إن إشكال : إن المورد من موارد الحكومة الظاهرية ، يمكن دفعه : مضافا إلى ما في المتن ، من إن الدليل
يتكفل التوسعة الواقعية لدليل الشرطية ولا ينافي ذلك كونه متكفلا لحكم ظاهري ، إذ الحكم الظاهري لا
يمتنع أن يكون له أثر واقعي .
ثم إن جريان مطلب الكفاية في إصالة الحل يبتني على أمرين : الأول : كون المراد من محرم الأكل هو
هذا العنوان لا جعله طريقا إلى مصاديقه الخارجية كالأسد والهر . الثاني : كون الشرط هو كون الملبوس مما
يؤكل لحمه لا أن المانع هو لبس محرم الأكل فلاحظ .
ثم إن الفرق بين الامارة والأصل : ان مرجع التعبد بالامارة إلى التعبد بوجود الشرط لأنه هو مؤدي
الامارة وهو لا اثر له الا الدخول في الصلاة ، فإذا انكشف الخلاف فلا وجه للاجزاء ، بخلاف الأصل فإنه
يتعبد بنفس الطهارة ويجعلها ويوجدها ويترتب عليه صحة الصلاة لوجدان الشرط .
ثم إن ما ذكره في الكفاية من التمسك باطلاق دليل الحجية بناء على السببية لاثبات الاجزاء غير
واضح .
أما أولا : فلان عمدة الدليل هو بناء العقلاء ، وهو دليل لبي لا إطلاق له .
وإما ثانيا : فلان دليل الحجية ولو كان لفظيا لا يتكفل الامر .
وأما ما ذكره في مورد الشك من الرجوع إلى إصالة عدم سقوط التكليف مع العلم الاجمالي ، فقد يورد
عليه : بأنه لا تنجيز للعلم الاجمالي ها هنا لخروج أحد طرفيه عن محل الابتلاء . والجواب : إنه لم يتمسك بالعلم
الاجمالي وإنما تمسك بأصالة عدم اتيان ما يسقط به التكليف فتدبر . هذا ما يرتبط بمطلب الكفاية .
وأما تحقيق المقام : فلا بد من تحديد محل الكلام ، فقد يقال : إن عمدة البحث في الشبهات الحكمية لا
الموضوعية ، ولكن الامر بالعكس ، لان جميع موارد الشبهة الحكمية أو أكثرها يرجع إلى تبديل الرأي لأجل
انكشاف عدم الحجية واقعا ، وهذا راجع إلى الامر الظاهري التخيلي لا الامر الظاهري الحقيقي ، وهو
خلاف محل الكلام .
والحق في المقام اجزاء الامر الظاهري الموضوعي أصلا كان أم إمارة في العبادات دون المعاملات . والسر
فيه : إن الشارع حين يتحقق منه التعبد الظاهري المؤمن - مثلا - يكون قد تصدى للمنع عن حكم العقل
بالاشتغال حين الشك أو استصحاب التكليف لو كان وقلنا بجريانه . ومع هذا يسقط الحكم الواقعي جزما
بعدم قابليته للداعوية مع حكم العقل بالأمان إذ قوام التكليف بالداعوية ، وهي تتقوم بالخوف والرجاء ،
فإذا أتى المكلف بالعمل ثم انكشف الخلاف فالموجب لثبوت التكليف الواقعي إما قاعدة الاشتغال أو
الاستصحاب أو إطلاق دليل الامر الواقعي .
أما قاعدة الاشتغال فلا تجري ، لأن الشك في حدوث التكليف .
واما إطلاق الأدلة ، فقد يقرب جريانه بان المورد كموارد الغفلة التي يسقط فيها التكليف ثم يعود
بالالتفاف . ولكن الحق عدم جريانه ، لان المورد من مصاديق المسألة المعروفة وهي دوران الامر بين عموم
العام واستصحاب حكم المخصص ، وهو من موارد عدم العام لان الثابت حكم واحد مستمر ، وقد انقطع
استمراره ، فلا مجال للتمسك بالدليل لاثبات الحكم بعد الانقطاع ، كما في الامر بالوفاء بالعقد فلاحظ .
وأما الحكم في موارد الغفلة ، فثبوته بعد الغفلة إنما هو للقطع بثبوت التكليف ، وعدم الفرق بين صورة
عروض الغفلة من أول الأمر التي يكون للاطلاق فيها مجال ، وصورة العروض في الأثناء . ومن هنا يمكن
أن يقرب ثبوت الحكم بعد الغفلة بان الاطلاق المثبت للحكم بعد الغفلة مع كونها من أول الأمر يثبت
الحكم بعد الغفلة في الأثناء بالملازمة ، والقطع بعدم الفرق . ومن هنا يتضح إن قيام الامارة لو كان من أول الأمر
لم يجر البيان السابق ، لأنه يمكن التمسك بالاطلاق بعد زوال الجهل . ولكن هذا يقتضي ثبوت
الحكم في الامارة القائمة في الأثناء بالملازمة ، كما أشير إليه في صورة الغفلة .
وعلى هذا فيختص هذا البيان بخصوص الامارة أو الأصل الذي لا يمكن ان يقوم من الأول ، كقاعدة
الفراغ ، أو التجاوز ، والظن في الركعات أو الأفعال - على تقدير اعتباره - ، ثم إنه لو تم هذا البيان لا يعارض
بحديث لا تعاد لان ظاهره ثبوت الإعادة في مورد قيام المقتضي لها وقد عرفت عدم تمامية المقتضي للإعادة
في موارد قاعدة الفراغ ، فيختص مدلولها بخصوص النسيان . فتأمل .
ويمكن أن يقرب الاجزاء بوجهين آخرين : أحدهما : إنه عند قيام الامارة أو الأصل يثبت جواز الاكتفاء
بالعمل في مقام الامتثال ، وبعد الانكشاف يستصحب ذلك . ودعوى : إن الاطلاق حاكم على الاستصحاب .
تندفع : بان الاطلاق يثبت الحكم الواقعي ، وهو لا ينافي جواز الاكتفاء الثابت بالاستصحاب ، لأنه متفرع
على الحكم الواقعي . ولكن هذا الوجه انما يتم في موارد يكون جواز الاكتفاء ثابتا شرعا ، كموارد قاعدة
الفراغ والتجاوز . أما موارد البينة ونحوها فلا ، إذ جواز الاكتفاء فيها عقلي لا شرعي ، فلا معنى
لاستصحابه . واستصحاب الطبيعي يكون من القسم الثالث وهو لا نلتزم به .
والاخر : إنه عند قيام الامارة يثبت الترخيص في ترك الواقع ، فيستصحب ذلك بعد الانكشاف ، وهو
ينفي الوجوب بناء على ما تقدم من إن الوجوب بحكم العقل الثابت بلحاظ الطلب وعدم الترخيص ، وإذا
ثبت الترخيص فلا وجوب ولو كان هذا الترخيص بواسطة الأصل .
وقد يقال : إن مقتضي ذلك عدم ثبوت الوجوب مطلقا في موارد الامر الاستصحاب الترخيص قبل
التشريع . وهذا خلاف ما يبني عليه القوم من الاخذ بالدليل وإثبات الوجوب ، إلا إذا أثبت الاستحباب
بالدليل .
وفيه إن الترخيص قبل الشرع ثابت في ضمن الإباحة وقد انتفت قطعا هنا بوجود الطلب ولو
استحبابا . واستصحاب طبيعي الترخيص من القسم الثالث من استصحاب الكلي وهو ممنوع وهذا بخلاف
ما نحن فيه فان المستصحب هو الترخيص الظاهري الثابت سابقا الذي يجتمع مع الطلب الواقعي ، وهو
غير معلوم الزوال .
ثم إن البيان وسوابقه للاجزاء يتأتى حتى في الامارات القائمة على الحكم . ولا يختص بالموضوع
فلاحظ .
ثم إنه لو تم الاجزاء على القول بالطريقية ، فلا إشكال في ثبوته على السببية لنفس البيانات . ولو فرض
عدم الاجزاء والرجوع إلى اطلاق الأدلة الدالة على لزوم الإعادة أو القضاء . فهل يحكم بالاجزاء على
السببية أو لا ؟ .
التحقيق : ان للسببية مسالك ثلاثة :
الأول : السببية بمعنى عدم الواقع إلا ما قامت عليه الامارة ، وهذا هو المنسوب إلى الأشاعرة ومقتضاه
هو الاجزاء ، بل لا موضوع للاجزاء وعدمه لأنه لا واقع هنا غير ما أدت إليه الامارة حتى يقال إنه مجز عنه .
الثاني : المصلحة السلوكية التي بنى عليها الشيخ ، ومقتضاها التفصيل بين الالتزام بتبعية القضاء للأداء
وكون التوقيت بنحو تعدد المطلوب ، والالتزام بعدم التبعية وانه بأمر جديد وان التوقيت بنحو وحدة
المطلوب . فعلى الأول لا وجه للاجزاء من حيث القضاء ، إذ لم تفت الا مصلحة الوقت ، وأما مصلحة الفعل
فهي قابلة للتدارك ، وعلى الثاني يلتزم بالاجزاء لفوات مصلحة الواجب السابق ، فلا بد من تداركه ومع
تداركه لا يصدق الفوت الموضوع للقضاء .
الثالث : السببية المعتزلية الراجعة إلى انقلاب الواقع عما أولا ، ومقتضاها عدم الاجزاء ، إذ غاية ما
يقرب الاجزاء عليها بان المورد عليها يكون كموارد الأوامر الاضطرارية . لكن بيان الاجزاء في الأوامر
الاضطرارية - الراجع إلى أن أدلة الأوامر الاضطرارية تقتضي تصنيف المكلفين - لا يجري ههنا ، إذ لا
يقتضي دليل الحجة ولا نفس الامارة تصنيف المكلفين . كما أن الوجه كما أن الوجه الاخر الراجع إلى تكفل دليل الامر
الاضطراري تحقيق الشرط كالطهارة بالتيمم لا يجري ههنا ، فلاحظ وتدبر .
يبقى الكلام في بعض خصوصيات كلام الكفاية كتفصيله على السببية بين إمارة الموضوع وإمارة الحكم
وقد أوضحنا الفرق في المتن فلاحظ . وأما رجوعه مع الشك إلى إصالة عدم المسقط بضميمة العلم بالشغل
فالمراد به كما تقدم ليس التمسك بالعلم الاجمالي بل بالعلم الاجمالي ولضميمة استصحاب ما يثبت بقاء
التكليف ، فالتنجز بقاء بواسطة الاستصحاب . وهذا أحسن ما يمكن توجيه كلام الكفاية به ولا يرد عليه
سوى إن هذا الاستصحاب من استصحاب الفرد المردد لا الكلي القسم الثاني ، لان الوجوب لا يتعلق
بطبيعي الصلاة الجامعة بين الظهر والجمعة - مثلا - فليس المستصحب كلي الوجوب بل الفرد المردد بين
فرديه ، وليس نظير الحدث مما كان المجعول أمرا كليا لا تعلق له بشئ : وتحقيق ذلك الامر في محله ، مع أنه
لو رجع إلى استصحاب القسم الثاني فنحن لا نقول به أيضا . فلاحظ .