وازداد قربه من الله عز اسمه ازداد الشيطان عنه بعدا ونفورا وليس ذلك إلا لميل كل شئ
إلى ما هو من سنخه وجنسه ، فكما أن الإنسان كلما كمل في مراتب العبادة والاجتهاد في
الطاعة ، وكسب الأخلاق الحسنة قرب من عالم الملكوت وانكشف له ما لا ينكشف لغيره .
- ولذلك ورد في الحديث ( 1 ) : لولا أن الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لنظروا
إلى ملكوت السماء .
كذلك يبعد عن الهواجس الشيطانية ، والوساوس النفسانية ، والشهوات الحيوانية ويبعد
عنه الشيطان المغوي ، والهوى المردي ، حتى يبلغ الدرجة المذكورة .
- في الحديث القدسي ، المروي عن الصادق ( عليه السلام ) في أصول الكافي ( 2 ) : ما تقرب إلي
عبد بشئ أحب إلي مما افترضت عليه ، وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى أحبه فإذا أحببته
كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها ،
إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته . الخبر .
أقول : قد اختلج بالبال في توضيح هذا المقال وجهان :
الأول : أن يكون المراد أن العبد إذا بلغ تلك الدرجة العليا والمرتبة القصوى لم يكن همه
إلا الله تعالى ، وذهل عن ما سواه ، وذكر السمع والبصر واللسان من باب المثال ، يعني لا يريد
شيئا إلا الله ، فهو سمعه وهو بصره ، الخ .
- وهذا هو الذي أشار إليه سيد الساجدين ، وإمام العارفين ، علي بن الحسين ( عليه السلام ) في
المناجاة حيث يقول : فقد انقطعت إليك همتي ، وانصرفت نحوك رغبتي فأنت لا غيرك
مرادي ولك لا لسواك سهري وسهادي ، الخ .
والثاني : أن يكون المراد ، أن العبد إذا كان بتلك المنزلة ، حصل له ما أراد ، ولم يحجب
عنه شئ فمعنى كون الله تعالى سمعه وبصره ويده أنه يسمع كل ما يمكن أن يسمع ، ويبصر
كل ما يمكن أن يبصر ، ويفعل كل ما يريد فهو يسمع ما لا يسمعه غيره ويبصر ما لا يبصره
غيره ، ويفعل ما لا يقدر عليه غيره . وهذا من الصفات الربانية التي يعطيها الله عز وجل إياه
حبا له ولهذا قيل : إن العبد إذا أطاع الله تعالى أطاعه كل شئ .
هامش
1 - بحار الأنوار : 70 / 59 ح 39 باختلاف يسير .
2 - الكافي : 2 / 352 / ح 7 .