والأخبار في هذا الباب كثيرة جدا ، وقد عرفت في باب شباهة مولانا الحجة بجده
الشهيد أبي عبد الله الحسين ( عليه السلام ) أن سعيه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما
لا يماثله فيه أحد من البشر ، لأنه ( عليه السلام ) مأمور من الله تعالى برفع جميع المنكرات عن جميع
أقطار الأرض ، بحيث لا يشذ عنها شاذ ، ولا يبقى لفاعل منكر ملاذ ولا معاذ ، كما ذكرنا غير
مرة في هذا الكتاب .
- وفي كتاب المحجة عن الباقر ( عليه السلام ) في تفسير قوله تعالى : * ( الذين إن مكناهم في
الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) * ( 1 )
قال ( عليه السلام ) : هذه لآل محمد المهدي وأصحابه يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها ، ويظهر
الدين ويميت الله عز وجل به وبأصحابه البدع والباطل كما أمات السفهة الحق ، حتى لا يرى
أثر من الظلم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولله عاقبة الأمور .
إذا عرفت ما ذكرنا فنقول : يمكن أن يقرر رجحان الدعاء للآمر بالمعروف والناهي عن
المنكر ، لأنهما الناصران لدين الله تعالى ، والحافظان لحدود الله ، ولأن نفس الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر إحسان إلى المسلمين ، ورعاية للدين ، وهذا واضح لا سترة فيه .
والثاني : إن أول درجات النهي عن المنكر هو الإنكار القلبي ، وهذا وإن كان أمرا خفيا
باطنيا لكن له آثارا جلية ، تظهر من الأعضاء والجوارح :
- ويدل عليه ما روي في الكافي ( 2 ) بسند موثق كالصحيح عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة ( 3 ) .
- وفيه ( 4 ) بسند مرسل عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : إن الله عز وجل بعث ملكين إلى أهل
مدينة ليقلباها على أهلها فلما انتهيا إلى المدينة وجدا رجلا يدعو الله ويتضرع إليه ، فقال
أحد الملكين لصاحبه ما ترى هذا الداعي ؟ فقال : قد رأيته ولكن أمضي لما أمر به ربي فقال :
لا ، ولكن لا أحدث شيئا حتى أراجع ربي ، فعاد إلى الله تبارك وتعالى ، فقال : يا رب إني
هامش
1 - سورة الحج : 41 .
2 - الكافي : 5 / 58 / ح 10 .
3 - وجوه مكفهرة : يعني وجوه عابسة كالحة ، لمؤلفه .
4 - الكافي : 5 / 58 / ح 8 .