ثمّ قال ( عم ) : وليت شعري ، ما يبعث النظر إلى النّوار والخضر من لذّة شرب المسكر ؟ بل / ما في شربه من اللَّذة ، وهو يحيل حسن الصّورة إلى القبح والعورة « 1 » من امتلاء الوجه واحمراره ، واستحالة البصر وازوراره ، واعوجاج الشّدق وسيلان الرّيق إلى ما يحدثه من زوال العقل والحلم وذهاب المعرفة والفهم ، حتّى إنّ إنسانا لو لم يعلم علَّة السكر فرأى سكرانا لم يكن شكّ فيه أنّه مجنون . بل ربّما كان بعض المجانين يفهم ما يقول ويعقل ، والسكران لا يدري ولا يعقل .
ثمّ قال ( عم ) : ولقد أحسن الذي وصفه فقال : إنّ السكر يذهب العقل ، وقلّ شيء ذهب فعاد كاملا . ( قال ) ولو لم يكن المسكر محرّما لكان فيما يوجبه نظر العاقل لنفسه أن لا يتناول شيئا ينقص / عقله . وإنّ القليل منه ليذهب من عقل من يتناوله مقدار ذلك الذي وصل منه إليه ، وكلَّما زاد ، زاد ذلك حتّى يذهب العقل كلَّه . وليس على ما يقوله من أحلّ قليله وحرّم ما أسكر منه « 2 » . وما أسكر الآخر منه إلَّا مع ما تقدّم له ذلك . ومن هذا قول كثير ، يوضّحه ويشهد العقل الصّحيح بصحّته .
في مثالب بني العبّاس الملاعين :
172 - ( قال ) وتصفّح يوما أخبار بني العبّاس في بعض الكتب ، فمرّ على يديه كتاب فيه أخبار المتغلَّبين من بني العبّاس وسيرهم ممّا ألَّفه وجمعه بعض رجالهم ممّن قصد إلى ذكر فضائلهم وتخليد أخبارهم ومآثرهم . فجعل مولانا المعزّ ( عم ) يقرأ أخبارهم واحدا بعد / واحد . فأكثر ما يجري فيها ذكر شربهم للخمور ولهوهم بالمعازف وصلاتهم المغنّين واللَّهاة والمحتكرين « 3 » وقولهم الأشعار في الغلمان ، ومجونهم مع الفجّار وغدرهم وخترهم « 4 » وفتكهم وقتل بعضهم بعضا ، واتّخاذهم أمر الأمّة دولا .
هامش
« 1 » في « ب » الوعرة . وفي « أ » الوعورة .
« 2 » كأن المعز يقصد هنا أبا حنيفة وأصحابه ، في موقفهم المعروف من النبيذ . ولم نجد ، والحق يقال ، من أحل منهم المسكر قليلا أو كثيرا . ولعله يعني بالذات محمد بن الحسن الشيباني الذي قال : ما أسكر كثيره فأحب إلي ترك شربه ، ولا أحرمه . ( انظر مختصر الطحاوي بتحقيق أبي الوفاء الأفغاني ، القاهرة 1370 ، ص 278 ) . وصار تحليل النبيذ شعارا يلصقه المغرضون بالحنفية ، حسبما يظهر في أبيات الزمخشري المعروفة :إذا سألوا عن مذهبي لم أبح به
وأكتمه ، كتمانه لي أسلم
فإن حنفيا قلت قالوا بأنني
أبيح الطلا وهو الشراب المحرم( الكشاف 4 / 310 ) .
« 3 » كذا في النسختين : ولا يتضح تناسب ذكر « المحتكرين » إلى الطبقات التي عددها . ولعلها مصحفة عن المجنكرين ، وهم عازفو الجنك ، وإن كنا غير واثقين من وجود هذه الآلة في القرن الرابع زمن النعمان .
« 4 » الختر : أقبح الغدر .