وقال عليه السلام : من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا
في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم
تبكي العيون ، ومن جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت
القلوب ( 1 ) .
وعن الريان بن شبيب ( فيما أخرجه الشيخ الصدوق في العيون ) قال :
دخلت على الرضا عليه السلام في أول يوم من المحرم ، فقال لي : يا ابن شبيب ،
إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم
والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ، ولا حرمة نبيها صلى الله
عليه وآله ، إذ قتلوا في هذا الشهر ذريته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله ، [ فلا غفر الله
لهم ذلك أبدا ] .
يا ابن شبيب ، إن كنت باكيا لشئ ، فابك للحسين عليه السلام ، فإنه
ذبح كما يذبح الكبش ( 2 ) ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ( 3 ) ما
هامش
( 1 ) عيون الأخبار 1 : 229 ح 48 ، أمالي الطوسي 1 : 117 .
( 2 ) قال ( رحمه الله ) : إن التعبير - كهذا - مما يدلك على غاية همجية القوم وشقائهم وبعدهم عن العطف الإنساني ،
بالإضافة على قتلهم ريحانة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهتكهم حرمته في سبطه روحي
فداه .
وقد أجمل الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام لما أدى عن الفاجعة وأهميتها بهذا الكلام القصير ،
وأشار به إلى معنى جسيم يدركه الباحث المتعمق بعد التحليل والاختبار ، ويندهش - المجموع
البشري - لمثل هذه الرزية عندما علم أنه لم يوجد بين تلك الجموع المحتشدة في كربلاء من يردعهم
عن موقفهم البغيض ، ولا أقل من تسائل بعضهم ، لماذا نقاتل الحسين ، وبأي عمل استحق ذلك منا ؟ أو
هل كان دم الحسين عليه السلام مباحا إلى حد إباحة دم الكبش ؟ ! ويذبح - بأبي هو وأمي - بلا ملامة
لائم ، ومن دون خشية محاسب ! !
( 3 ) أقول : لقد كثر اختلاف المؤرخين وأرباب المقاتل في تحديد عدد شهداء الطف من أهل البيت عليهم
السلام - كاختلافهم الكثير في تحديد شهداء الأصحاب أيضا - فبين مقل إلى حد الثلاثة عشر ،
كالمسعودي في مروجه ( 3 : 71 ) ، وبين مكثر إلى حد الثلاثين كالأمين في أعيانه ( 4 ق 1 : 250 ) .
وفي البحار ( 45 : 63 ) رواية عبد الله بن سنان تؤيد ذلك ، وبين هذين القولين من جانبي القلة والكثرة
أقوال أخرى .
فالمشهور بين المؤرخين وأرباب المقاتل : أنهم ( 17 شهيدا ) غير الحسين عليه السلام ، كما ورد
تعداد أسمائهم في زيارة الناحية المقدسة ، وقد أوردها المجلسي بنصها عن الإقبال في بحاره ( 45 :
65 ) ، ويؤيده قول محمد بن الحنفية - من حديث له - : " ولقد قتل مع الحسين سبعة عشر ممن ارتكضوا
في رحم فاطمة " - ويعني : فاطمة بنت أسد أم علي وجعفر وعقيل ، فإن شهداء الطف من أهل البيت
ينتمون إلى هؤلاء الثلاثة أولادا أو أحفادا - ، ذكر ذلك الطبراني في معجمه ( 1 : 140 ) ، والمقريزي في
خططه ( 2 : 286 ) ، وابن حجر في تهذيبه ( 1 : 156 ) .
وقال الدميري في حياة الحيوان ( 1 : 60 ) إنهم : ( 18 رجلا ) ، وفي تذكرة الخواص لسبط
ابن الجوزي ( 255 ) إنهم : ( 19 رجلا ) ، ويضيف إليهم اثنين برواية المدائني فيكون المجموع
( 21 قتيلا ) .
وفي تاريخ الطبري ( 5 : 382 ) إنهم : ( 21 رجلا ) ، وهذا القول يلتقي مع قول ابن الجوزي برواية
المدائني ، ويقترب من قول أبي الفرج في مقاتله ( 67 ) حيث يقول : " فجميع من قتل يوم الطف من ولد
أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلا " .
ويكاد يتفق الخوارزمي في مقتله ( 2 : 47 ) وابن شهرآشوب في مناقبه ( 4 : 112 ) - وكلاهما من
أبناء القرن السادس الهجري - في النسبة إلى الأكثر بأن مجموع القتلى من أهل البيت عليهم السلام لا
يتجاوز السبعة والعشرين .
وأخيرا ، فالذي يرجح عندنا - بعد أن استعرضنا الكثير من المصادر المعتبرة - هو القول
الوسط - وهو النيف والعشرون ، بل الاثنان والعشرون بالضبط - باستثناء الحسين عليه السلام -
إذ القولان المتطرفان في القلة والكثرة لا يساعد عليهما الاعتبار وعامة النصوص التاريخية
المعتبرة .