[ المجلس الخامس العشرون ]
ومن كلام لأمير المؤمنين وسيد الوصيين صلوات الله وسلامه عليه :
ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به ، ويستضئ بنور علمه ، ألا وإن إمامكم
قد اكتفى من دنياه بطمريه ( 1 ) ، ومن طعمه ( 2 ) بقرصيه ( 3 ) ، ألا وإنكم لا تقدرون على
ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، [ وعفة وسداد ف ] والله ما كنزت من دنياكم
تبرا ( 4 ) ، ولا ادخرت من غنائمها وفرا ( 5 ) ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، ولا حزت
من أرضها شبرا ، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة ( 6 ) ، ولهي في عيني أوهى
[ وأهون ] من عفصة مقرة ( 7 ) ، بلى ! كانت في أيدينا فدك ( 8 ) من كل ما أظلته
هامش
( 1 ) الطمر - بالكسر - : الثوب الخلق البالي .
( 2 ) طعمه - بضم الطاء - : ما يطعمه ويفطر عليه .
( 3 ) قرصيه : تثنية قرص ، وهو الرغيف .
( 4 ) التبر - بكسر فسكون - : فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ .
( 5 ) الوفر : المال .
( 6 ) أتان دبرة : هي التي عقر ظهرها فقل أكلها .
( 7 ) مقرة : مرة .
( 8 ) فدك : هي : قرية بالحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة ، أفاءها الله تعالى على رسوله صلى
الله عليه وآله صلحا ، فيها عين فوارة ونخل ، وقد كانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله خالصة ،
لأنها لم يوجب عليها بخيل ولا ركاب ، وقد أعطاها ابنته الزهراء عليها السلام فكانت بيدها في عهده
صلى الله عليه وآله ، وروي إنه صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام : قد كان لأمك خديجة على
أبيك محمد صلى الله عليه وآله مهرا ، وأن أباك قد جعلها لك بذلك ، وأنحلتكها تكون لك ولولدك بعدك ،
وكتب كتاب النحلة علي عليه السلام في أديم ، وشهد عليه السلام على ذلك وأم أيمن ومولى لرسول
الله صلى الله عليه وآله .
وجاء في الأخبار كما في رواية الشيخ عبد الله بن حماد الأنصاري - أن واردها - أربعة وعشرون
ألف دينار في كل سنة ، وفي رواية غيره سبعون ألف دينار .
راجع : معجم البلدان للحموي : ج 4 ص 238 ، بحار الأنوار : ج 17 ص 378 وج 21 ص 23 وج
33 ص 474 ، سفينة البحار للقمي : ج 2 ص 351 .
وروي عن حماد بن عثمان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : لما بويع أبو بكر واستقام له الأمر
على جميع المهاجرين والأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة عليها السلام بنت رسول الله
صلى الله عليه وآله منها .
فجاءت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى أبي بكر ثم قالت : لم تمنعني ميراثي من أبي رسول الله
صلى الله عليه وآله ، وأخرجت وكيلي من فدك ، وقد جعلها لي رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر الله
تعالى ؟
فقال : هاتي على ذلك بشهود ، فجاءت بأم أيمن ، فقالت له أم أيمن : لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتج
عليك بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ، أنشدك بالله ألست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله
قال : ( أم أيمن امرأة من أهل الجنة ) .
فقال : بلى .
قالت : ( فاشهد : أن الله عز وجل أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : فآت ذا القربى حقه (
فجاء علي عليه السلام فشهد بمثل ذلك ، فكتب لها كتابا ودفعه إليها ، فدخل عمر فقال : ما هذا
الكتاب ؟ فقال : إن فاطمة عليها السلام ادعت في فدك ، وشهدت لها أم أيمن وعلي عليه السلام ،
فكتبته لها ، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فتفل فيه ومزقه ، فخرجت فاطمة عليها السلام تبكي .
فلما كان بعد ذلك جاء علي عليه السلام إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والأنصار
فقال : يا أبا بكر لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وقد ملكته في حياة رسول
الله صلى الله عليه وآله .
فقال أبو بكر : هذا فئ للمسلمين ، فإن أقامت شهودا أن رسول الله صلى الله عليه وآله جعله لها
وإلا فلا حق لها فيه .
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين .
قال : لا .
قال : فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه ، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البينة ؟
قال : إياك أسأل البينة .
قال : فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يديها ؟ وقد ملكته في حياة رسول الله صلى الله عليه
وآله وبعده ، ولم تسأل المسلمين بينة على ما ادعوها شهودا ، كما سألتني على ما ادعيت عليهم ؟
فسكت أبو بكر فقال عمر : يا علي دعنا من كلامك ، فإنا لا نقوى على حجتك ، فإن أتيت بشهود
عدول ، وإلا فهو فئ للمسلمين ، لا حق لك ولا لفاطمة عليها السلام فيه .
فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله ؟
قال : نعم .
قال : أخبرني عن قول الله عز وجل : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيرا ( الأحزاب : 33 ) فيمن نزلت ؟ فينا أم في غيرنا ؟
قال : بل فيكم .
قال : فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله بفاحشة ما
كنت صانعا ؟
قال : كنت أقيم عليها الحد ، كما أقيمه على نساء المسلمين .
قال : إذن كنت عند الله من الكافرين .
قال : ولم ؟
قال : لأنك كنت رددت شهادة الله لها بالطهارة ، وقبلت شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم الله
وحكم رسوله ، أن جعل لها فدكا قد قبضته في حياته ، ثم قبلت شهادة إعرابي بائل على عقبيه ، عليها ،
وأخذت منها فدكا ، وزعمت أنه فئ للمسلمين ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ( البينة على
المدعي ، واليمين على المدعى عليه ) فرددت قول رسول الله صلى الله عليه وآله : البينة على من ادعى ،
واليمين على من ادعى عليه !
قال : فدمدم الناس وأنكروا ، ونظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : صدق والله علي بن أبي طالب عليه
السلام ! ورجع إلى منزله .
قال : ثم دخلت فاطمة المسجد وطافت بقبر أبيها وهي تقول :
قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو * كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب
قد كان جبريل بالآيات يؤنسنا * فغاب عنا فكل الخير محتجب
وكنت بدرا ونورا يستضاء به * عليك ينزل من ذي العزة الكتب
تجهمتنا رجال واستخف بنا إذ * غبت عنا فنحن اليوم نغتصب
فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب
أنظر : الإحتجاج للطبرسي : ج 1 ص 90 - 93 ، علل الشرائع للصدوق : ج 1 ص 191 ، ب 151 ح
1 ، تفسير القمي : ج 2 ص 155 - 157 .