للتقية التي كانوا عليها ، والحال التي آل أمرهم بعد النبي صلى الله عليه وآله إليها ،
فهو في ذلك كأبيه أمير المؤمنين حيث يقول : وصفقت أرتئي بين أن أصول بيد
جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء - إلى أن قال : - فصبرت وفي العين قذى ، وفي
الحلق شذى ، أرى تراثي نهبا . ( 1 )
هامش
( 1 ) فلقد صبر أمير المؤمنين عليه السلام على اغتصاب الخلافة وظلم الزهراء عليها السلام وتحريف
دين الله وسنة نبيه ، ولذا جاءت خطبته الشقشقية تعبيرا عن حالة الظلم التي تعرض لها البيت النبوي بعد
وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ، ونظرا لأهمية الخطبة نحن نوردها كاملة .
يقول الإمام علي عليه السلام : ( أما والله لقد تقمصها فلان ( وفي نسخة ابن أبي قحافة ) وإنه ليعلم أن
محلي منها محل القطب من الرحا . ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلي الطير ، فسدلت دونها ثوبا ،
وطويت عنها كشحا . وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها
الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ! فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ،
فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا ، حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى
فلان ( وفي نسخة ابن الخطاب ) بعده . ثم تمثل بقول الأعشى :
شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر
فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته - لشد ما تشطرا ضرعيها ! - فصيرها
في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب
الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم ، فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس . وتلون
واعتراض ، فصبرت على طول المدة . وشدة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني
أحدهم . فيا لله وللشورى ! متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر !
لكني أسففت إذ أسفوا . وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ،
إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة
الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته !
فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي ، ينثالون علي من كل جانب ، حتى لقد وطئ الحسنان ،
وشق عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم . فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ،
وقسط آخرون : كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا
في الأرض ولا فسادا ، والعاقبة للمتقين ) بلى ! والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في
أعينهم ، وراقهم زبرجها !
أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ
الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم . ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت
آخرها بكأس أولها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ! انظر : شرح نهج البلاغة لمحمد
عبدة 1 : 34 ( الخطبة الشقشقية ) .