فجاء فقعد يمسح عينيه وينظر إلى السماء ، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم " ما لها هبلت ( 1 ) " وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
" إلام تنظر ، هل ترى السماء شيئا ؟ " قال : نعم ، إني لأرى
جزلا ( 2 ) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلط خلط الله عليه ،
أتشهد أني رسول الله ؟ " قال : أشهد أنك رسول الأميين ، أتشهد أنت أني
رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله ورسله " ثم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد خبأت لك خبيئا فما هو ؟ " قال
له ابن صياد : دخ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اخسأ فإنك
لن تعدو أجلك " وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خبأ له ( يوم
تأتي السماء بدخان مبين ) ( 3 ) .
* حدثنا علي بن عاصم قال ، حدثنا الجريري ، عن أبي نضرة ،
عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه قال : أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ابن صائد ومع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر
رضي الله عنهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أتشهد أني
رسول الله ؟ " فقال له ابن صائد : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال النبي
صلى الله عليه وسلم " آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله - مرتين -
يا بن صائد ، انظر ماذا ترى ؟ " قال : أرى كاذبين وصادقا ، وكاذبا
وصادقين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ليس عليه فاتركوه " ( 4 ) .
هامش
( 1 ) هبلت : أي مالها ثكلت ( لسان العرب ) .
( 2 ) الجزل : العظيم الكثير من الشئ ( أقرب الموارد ) .
( 3 ) سورة الدخان آية 10 .
( 4 ) في ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل 2 : 420 ، وفي صحيح مسلم 10 : 377
بالسند المذكور عن أبي سعيد الخدري قال - أبو سعيد الخدري - لقيه رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبو بكر وعمر في بعض طرق المدينة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أتشهد أني رسول الله ؟ فقال هو : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم " آمنت بالله وملائكته وكتبه " ما ترى ؟ قال : أرى عرشا على الماء ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : " ترى عرش إبليس على البحر " وما ترى ؟ قال أرى صادقين وكاذبا
أو كاذبين وصادقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس عليه ، دعوه " .
وفي ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل 2 : 421 " ليس عليه ، دعوه " .
وفي رواية أخرى ، 2 : 419 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خلط عليه
الامر " وذكر ابن الأثير في ( جامع الأصول ) قال الخطابي رحمه الله : قد اختلف الناس
في أمر ابن صياد اختلافا شديدا ، وأشكل أمره حتى قيل فيه كل قول . فقيل كيف أبقى
النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعي النبوة كاذبا وتركه بالمدينة في داره يجاوره فيها ؟
وما معنى ذلك ؟ وما وجه امتحانه بما خبأه له من آية الدخان ؟ ، وقوله بعد ذلك : " اخسأ
فلن تعدو قدرك ؟ " قال : والذي عندي أن هذه القضية إنما جرت معه أيام مهادنته اليهود
وحلفاءهم ، وذلك بعد مقدمه المدينة ، فإنه كتب بينه وبين اليهود كتابا صالحهم فيه على ألا
يهاجوا ، وأن يتركوا على أمرهم ، وكان ابن صياد منهم أو دخيلا في جملتهم ، وكان
يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ، وما يدعيه من الكهانة ، ويتعاطاه من الغيب ،
فامتحنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبرز أمره ويخبر شأنه ، فلما كلمه على أنه مبطل
وأنه من جملة السحرة أو الكهنة ، أو ممن يأتيه رئي من الجن ، أو يتعاهده شيطان ، فيلقي
على لسانه بعض ما يتكلم به " فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : " الدخ "
زبره فقال : " اخسأ فلن تعدو قدرك " يريد أن ذلك شيئا أطلع الله تعالى عليه الشيطان
فألقاه إليه ، وأجراه على لسانه ، وليس ذلك من قبيل الوحي السماوي ، إذ لم يكن له قدر
الأنبياء الذين يوحى إليهم علم الغيب ، ولا درجة الأولياء الذين يلهمون الغيب فيصيبون
بنو قلوبهم ، وإنما كانت له تارات يصيب في بعضها ويخطئ في البعض ، وذلك معنى
قوله : يأتيني صادق وكاذب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد خلط عليك "
قال والجملة من أمره أنه كان فتنة امتحن الله بها عبادة المؤمنين : " ليهلك من هلك عن
بينة ، ويحيى من حي عن بينة " كما امتحن الله تعالى قوم موسى بالعجل ، فافتتن به قوم
وهلكوا ، ونجا من هداه الله وعصمه . قال وقد اختلفت الروايات في كفره ، وفيما كان
من أمره وشأنه بعد كبره ، فروى أنه تاب عن ذلك القول ، ثم إنه مات بالمدينة ، وأنهم لما
أرادوا الصلاة عليه ، كشفوا عن وجهه حتى رآه الناس وقيل لهم : أشهدوا . وروى غيره
ذلك . ( شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل للعلامة السفاريني الحنبلي 2 : 429 ) .