الأصل الثاني : الاختيار والاصطفاء الإلهي
هذا هو الأصل الثاني والذي يتفرع على الأصل المتقدّم ؛ لأنّه لمّا كان أمر الجعل بيد الله تبارك وتعالى ؛ كان الاصطفاء والاختيار بيده تعالى أيضاً ، فيصطفي من يشاء من عباده * ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) * ( 1 ) ؛ لعلمه وإحاطته تعالى بكل شيء * ( وََكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ) * ( 2 ) ، * ( أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) * ( 3 ) . قال أبو الليث السمرقندي في تفسير آية الخلق والاختيار الإلهي : « أي لم يكن لهم أبداً أن يختاروا على الله . . . » ( 4 ) . وعللَّ ذلك السلمي في معرض تفسيره للآية المتقدّمة ، قائلاً : « لأنّ الخليقة لو اجتمعت على أن تختار لعبد ما هو أنفع له وأعود عليه لم يكن اختيارهم إلا يسيراً في جنب ما اختاره الله لعبده ، ولن تبلغ الحقيقة مقاديرها وغايات عقلها ولها حد ومكان لا يتجاوز نظر الله لعبده ، وجميل اختياره شيء لا يحيط به غيره ولا يعلمه سواه ، فأين يذهب عن ذلك ويخرج عنه ، فمن أخذ ذلك أهل الرضا حطوا الرحال بين يدي ربهم ، وسلموا إليه أمورهم بصفاء التفويض والكون تحت الحكم » ( 5 ) .