الفصل السادس
في شجاعته وشرف نفسه ( عليه السلام )
إعلم وفقك الله على حقائق المعاني ووفقك لإدراكها أن الشجاعة من
المعاني القائمة بالنفوس ، والصفات المضافة إليها فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر
ولا يمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها ، إذ ليست أجساما كثيفة بل طريق
معرفتها والعلم بها بمشاهدة آثارها ، فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف
بالشجاعة ، فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه إذا أحدقت الرجال ( وصدقت
الآجال ، وحقت الأوجال ) ( 1 ) وتضايق المجال ، وحاق القتال ، فإن كان مجزاعا
مهلاعا مزواعا مفزاعا فتراه يستركب الهزيمة ويستبقها ، ويستصوب الدنية
ويتطوقها ، ويستعذب المفرة ويتفوقها ، ويستصحب الذلة ويتعلقها ، مبادرا إلى
تدرع عار الفرار من شبا الشفار ، مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع
لكل خطار ، فذلك مهبول الأم ، مخبول الفهم ، مفلول الجمع ، معزول عن السمع ،
ضرب بينه وبين الشجاعة بحجاب مكتوب بينه وبين الشهامة بابراء في كتاب ، لا
تعرف نفسه سرفا ، ولا تجد عن الخساسة والدناءة منصرفا .
وإن كان محزرا ( 2 ) ، مجزارا ، كرارا ، صبارا ، يسمع من أصوات وقع الصوارم
هامش
1 - في نسخة ( ع ) : واحفت الآجال ، وما أثبتناه من نسخة ( ط ) .
2 - في نسخة ( ط ) وكشف الغمة : مجسارا .