وقد علم بصريح المعقول أن الله تعالى إذا خلق صفة في محل كانت صفة لذلك المحل ، فإذا خلق حركة في محل كان ذلك المحل هو المتحرك بها ، وإذا خلق لوناً أو ريحاً في جسم كان هو المتلون المتروح بذلك ، وإذا خلق علماً أو قدرة أو حياة في محل كان ذلك المحل هو العالم القادر الحي ، فكذلك إذا خلق إرادة وحباً وبغضاً في محل كان هو المريد المحب المبغض ، فإذا خلق فعلاً لعبد كان العبد هو الفاعل ، فإذا خلق له كذباً وظلماً وكفراً كان العبد هو الكاذب الظالم الكافر ، وإن خلق له صلاة وصوماً وحجاً كان العبد هو المصلي الصائم الحاج .
والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته ، بل صفاته قائمة بذاته ، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم ، ويقولون أن خلق الله للسموات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض بل الخلق غير المخلوق ، لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله . فإن المعتزلة ومن وافقهم من الجهمية القدرية نقضوا هذا الأصل على من لم يقل أن الخلق غير المخلوق كالأشعري ومن وافقه ، فقالوا : إذا قلتم أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل دون غيره ، كما ذكرتم في الحركة والعلم والقدرة وسائر الأعراض - انتقض ذلك عليكم بالعدل والإحسان وغيرهما من أفعال الله تعالى ، فإنه يسمى عادلاً بعدل خلقه في غيره محسناً بإحسان خلقه في غيره ، فكذا يسمى متكلماً بكلام خلقه في غيره .
والجمهور من أهل السنة وغيرهم يجيبون بالتزام هذا الأصل ويقولون إنما كان عادلاً بالعدل الذي قام بنفسه ومحسناً بالإحسان الذي قام بنفسه . وأما المخلوق الذي حصل للعبد فهو أثر ذلك ، كما أنه رحمن رحيم بالرحمة التي هي صفته ، وأما ما يخلقه من الحرمة فهو أثر تلك الحرمة ، واسم الصفة يقع تارة على الصفة التي هي المصدر ويقع تارة على متعلقها الذي هو مسمى المفعول ، كلفظ الخلق يقع تارة على
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 148
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤٨