تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق ، فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحداً شيئاً بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير ، وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار ، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين . وكذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم ، فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فكل من أمره الله ونهاه فهو مستطيع بهذا الاعتبار وإن علم أنه لا يطيعه . وإن أريد بالقدرة القدرة القدرية التي لا تكون إلا مقارنة للمفعول فمن علم أنه لا يفعل الفعل لم تكن هذه القدرة ثابتة له . ومن هذا الباب تنازع الناس في الأمر والإرادة هل يأمر بما لا يريد أو لا يأمر إلا بما يريد . فإن الإرادة لفظ فيه إجمال ، يراد بالإرادة الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . وكقوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء ) وقول نوح عليه السلام ( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) ولا ريب أن الله يأمر العبادة بما لا يريده بهذا التفسير ، والمعنى كما قال تعالى ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه أمر كل نفس بهداها ، وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غداً إن شاء الله أو ليردن وديعته أو غصبه ، أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله ، أو ليصومن رمضان إن شاء الله ونحو ذلك مما أمره الله به . فإنه إذا لم يفعل المحلوق عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله : إن شاء الله ، فعلم أن الله لم يشأ مع أمره به .
مجموعة الرسائل والمسائل — صفحة 151 | ابن تيمية / السيد محمد رشيد رضا