ووجود الصارف ، وإنما قلنا بقدرته عليها لأنه لولاه لما استحق مدحا ولا ثوابا ، إذ
لا اختيار له حينئذ ، لأنهما يستحقان على فعل الممكن وتركه ، لكنه يستحق المدح
والثواب لعصمته إجماعا فيكون قادرا .
وقالت الأشاعرة : هي القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية ( 1 ) .
وقال بعض الحكماء : إن المعصوم خلقه الله جبلة صافية ، وطينة نقية ، ومزاجا
قابلا وخصه بعقل قوي وفكر سوي ، وجعل له ألطافا زائدة ، فهو قوي بما خصه على
فعل الواجبات واجتناب المقبحات ، والالتفات إلى ملكوت السماوات ، والإعراض عن
عالم الجهات ، فيكون النفس الأمارة مأسورة مقهورة في حيز النفس العاقلة .
وقيل : هو المختص بنفس هي أشرف النفوس الإنسانية ، ولها عناية خاصة ، وفيض
يتمكن به من أسر القوة الوهمية والخيالية ، الموجبتين للشهوة والغضب ، المتعلق كل
ذلك بالقوة الحيوانية .
ولبعضهم كلام حسن جامع حيث قال : العصمة ملكة نفسانية يمنع المتصف بها من
الفجور مع قدرته عليه ، ويتوقف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ، ومناقب
الطاعات ، لأن العفة متى حصلت في جوهر النفس ، وانضاف إليها العلم التام بما في
المعصية من الشقاوة ، والطاعة من السعادة صار ذلك العلم موجبا لرسوخها في النفس
فتصير ملكة ، ثم إن تلك الملكة إنما يحصل له بخاصية نفسية أو بدنية تقتضيها ، وإلا
لكان اختصاصه بتلك الملكة دون بني نوعه ترجيحا من غير مرجح ، ويتأكد ذلك
بتواتر الوحي ، وأن يعلم المؤاخذة على ترك الأولى ( 2 ) .
أقول : لا ريب أن الإختصاص بتلك الملكة إنما يكون بجهة مرجحة يعلمها الله تعالى ،
وليس علينا السؤال عن هذه الجهة ، وهذا كاختصاص كثير من المخلوقات بل كلها
بأوصاف خاصة ، واختلافهم في الأنواع والأفراد ، واختصاص السماء والأرض بالخلق
هامش
( 1 ) لا يخفى عليك بطلان هذه المقالة لأن القدرة على الطاعة لا تحقق إلا مع القدرة على تركها ، والقدرة على
ترك الطاعة هي القدرة على المعصية .
( 2 ) اللوامع الإلهية اللامع العاشر ص 169 و 170 .