ويرجو التوبة بطول الأمل ، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ، ويعمل فيها بعمل
الراغبين ، إذا أعطي منها لم يشبع ، وإن منع منها لم يقنع ، يعجز عن شكر ما
أوتي ، ويبتغي منها الزيادة فيما بقي ، ينهى ولا ينتهي ، ويأمر بما لا يأتي ، إن
أصابه بلاء دعا مضطرا ، وإن ناله رخاء أعرض مغترا ، يقصر إذا عمل ، ويبالغ
إذا سئل ، يصف العبرة ولا يعتبر ، ويبالغ في الموعظة ولا يزدجر ، فهو بالقول
مدل ، ومن العمل مقل ، يناقش فيما يفنى ، ويسامح فيما يبقى ، يرى المغنم مغرما ،
والمغرم مغنما ، يخشى الموت ، ولا يبادر الفوت ، يستعظم عن معصية غيره ما
يستقله من معاصي هواه ، ويستكثر من طاعته ما يستحقره من طاعة سواه ،
فهو على الناس طاعن ، ولنفسه مداهن ، يهوى دارا أولها عناء ، وآخرها فناء ،
في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها افتتن ، ومن افتقر
فيها حزن ، من سعى إليها فاتته ، ومن قعد عنها أتته ، من أبصر بها بصرته ،
ومن أبصر إليها أعمته .
فقال عليه السلام : دنياك مثل الشمس تدني إليك الضوء لكن وعرة
المسلك ، إذا أبصرت إلى نورها تعش وإن تبصر به تدرك .
يا نفس :
إنما الكرم التنزه عن المساوي ، والورع التطهر عن المعاصي .
واعلمي : أن آفة العقل الهوى ، وآفة النفس الوله بالدنيا ، وآفة الطاعة
العصيان ، وآفة النعم الكفران ، وآفة الأعمال عجز العمال ، وآفة الآمال حضور
الآجال ، والبصير من سمع ففكر ، ونظر وأبصر ، وانتفع بالعبر ، والسعيد من
خاف العقاب فآمن ، ورجا الثواب فأحسن .
محاسبة النفس — صفحة 66
مساهمون: الشيخ إبراهيم الكفعمي
ص٦٦