يا نفس :
إن الدنيا يونق ( 1 ) منظرها ، ويوبق ( 2 ) مخبرها ، ولا تدوم حبرتها ( 3 ) ، ولا
تؤمن فجعتها ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكالة غوالة ، غرارة ضرارة ، فالكون
فيها خطر ، والثقة بها غرر ( 4 ) ، والاخلاد إليها محال ، والاعتماد عليها ظلال ، لم
يصفها الله لأوليائه ، ولم يضن ( 5 ) بها على أعدائه ، وهي والآخرة عدوان متفاوتان ،
وسبيلان مختلفان ، فمن أحب الدنيا وتوالاها ، أبغض الآخرة وعاداها .
يا نفس :
إن جزعت على ما تفلت من يديك ، فاجزعي على ما لم يصل إليك ، وإن
كنت في البقاء راغبة فازهدي في عالم الفناء ، وإن كنت للنعيم طالبة فاعتقي
نفسك من دار الشقاء ، وأراك إن دعيت إلى حرث الآخرة كسلت ، وإن دعيت
إلى حرث الدنيا عملت ، وإن سقمت ندمت ، وإن عوفيت نسيت ، تواقعين
الحوبة ( 6 ) ، وتتكلين على التوبة ، فأحسني الاستعداد والاكثار من الزاد ليوم
تقدمين على ما قدمت ، وتندمين على ما خلفت ، وتجازين على ما أسلفت .
هامش
( 1 ) قال الخليل في العين 5 : 221 أنق : الأنق : الاعجاب بالشئ . . .
( 2 ) أي : يهلك . اللسان 10 : 370 وبق .
( 3 ) أي : جمالها وحسنها . مجمع البحرين 3 : 256 حبر .
( 4 ) في أ : فالكون فيها خطير والثقة فيها غرور .
( 5 ) أي : ولم يبخل . المفردات 299 ضنن .
( 6 ) أي : الإثم . مجمع البحرين 2 : 47 حوب .