أو أنّ غيره اختلقها ونقلها هو عنه ، لأنّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) كان مشتغلا بالتعليم
والتدريس في المدينة في النصف الأوّل من القرن الثاني ، وتوفّي سنة 148 هجرية ،
في حين إنّ بايزيد البسطامي كان يعيش في القرن الثالث وتوفّي سنة 261 هجرية .
وقيل : إنّ مبادئ العرفان ومدارسه في القرن الثامن الهجري لم تكن تزيد
على سلوك العارف وقوّة تخيّله وتأمّله ، ومن هنا يمكن القول بأنّ جعفراً
الصادق ( عليه السلام ) كان له خيال وتفكير عرفاني عميق ، وإذا كان من آثار العرفان
على العارف تغيير أُسلوب حياته والتأثير في خلقه وسلوكه وأدبه ، فلسنا نشكّ
في أنّ جعفراً الصادق ( عليه السلام ) كان بهذا رائداً وإماماً للغير ، ولكن لا علاقة لهذا
السلوك المعنوي بالعلوم التجريبية والمادية في الإسلام . وكان الصادق ( عليه السلام ) أوّل
عالم وخبير في العلوم التجريبية في الإسلام ، وهو أوّل عالم جمع بين النظرية العلمية
والتجربة العملية ، ولم يكن يقبل أو يؤيّد نظرية في الفيزياء أو الكيمياء إلاّ
بعد التحقّق منها بنفسه في التجربة العملية والاختبار ، وعالم كهذا ، لا يهتمّ بعلوم
نظرية بحتة اهتمامه بالعلوم التجريبية .
وفي التأريخ الإسلامي إنّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) كان أوّل عالم تحدّث
عن الفيزياء والكيمياء ، وهو في نفس الوقت يعدّ في طليعة العرفاء والزهّاد .
حتّى إنّ الإمام الزمخشري ( 1 ) بعدما أثنى عليه في كتابه " ربيع الأبرار " ثناءً كريماً ،
هامش
( 1 ) هو الإمام جار اللّه محمود بن عمر أبو القاسم الزمخشري ، ولد في زمخشر عام 467
وتوفّي 538 ه ( 1144 م ) ، وهو إمام عصره في اللغة والنحو والبيان والتفسير ، سمّوه جار اللّه
لأنّه جاور بمكّة . كان معتزلي الاعتقاد ، ومن مؤلّفاته : المفصّل في النحو ، والكشّاف عن
حقائق التنزيل في التفسير وقد عرف به فهو صاحب الكشّاف وكفى ، والفائق في غريب
الحديث ، وأساس البلاغة في اللغة ، وأطواق الذهب ، ونوابغ الكلم ، وربيع الأبرار في التراجم .