مواقفه في تلك الفترة ، وان ظهرت آثارها بوضوح أيام عمر حين كان يواجهه - على ما فيه من غلظة وعنجهية خلق - بكلّ صراحة وصرامة ، وستأتي صفحات احتجاجاته عليه في أمر الخلافة . وسنقرأ فيها نحو قوله : وأنت وصاحبك - يعني أبا بكر - اللذان انتزعتما الأمر منا دون الناس .
ونحو قوله : في حوار جرى بينهما قال فيه عمر : ما أرى صاحبك إلا مظلوماً - يعني عليّاً - فقال له ابن عباس : أردد إليه ظلامته .
ونحو قوله : حين قال عمر إنّه استصغره قومه فقال ابن عباس : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك .
ونحو قوله : هلا استحدثتم سنه يوم الخندق إذ خرج عمرو بن عبد ودّ وقد كعم عنه الأبطال وتأخرت عنه الأشياخ ويوم بدرٍ إذ كان يقط الأقران قطا ؟
ونحو قوله : هلا سبقتموه بالإسلام ؟
ويكفي أن يقرأ الباحث حواره مع عمر حين احتج عمر بالاختيار والإجماع على بيعة أبي بكر . فكان جواب ابن عباس له : وأمّا قولك أنّ قريشاً اختارت فأصابت ووُفقت . فإنّ الله يقول : * ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ ) * ( 1 ) وقد علمت أن الله اختار من خلقه لذلك من اختاره ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها واختارت لأنفسها من حيث اختار الله لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ولوفقت وأصابت .
إلى غير ذلك ممّا ظهرت آثاره وسرت اخباره بعد تلك الفترة . وسنوافي في صفحات احتجاجاته بمزيد من الشواهد على أن آراءُه في احداث تلك الفترة كانت متطابقة تماماً مع آراء أبيه مع قوة الحجة ووضوح البيان وصدق البرهان ،
هامش
( 1 ) القصص / 68 .