وهكذا ترى البوذية أن الكون أزلي مستمر ليس له مبدأ ولا نهاية ، وترى
أن المولد الفردي ، هو منشأ الآلام التي تملأ حياة الفرد ، وليس هذا المولد
إلا نتيجة للشهوات والرغبات والعواطف والميول الفردية المتقدمة لفرد قد سبق
هذا الفرد ، فتجددت حياة هذه النفس لتلاقي جزاء ما خضعت للشهوات والرغائب
من قبل ، ثم تكون للنفس في دورها الجديد شهوات أخرى ورغائب ،
فتجدد مرة أخرى لنفس السبب ، وهكذا إلى نهاية ، فالشهوات
والعواطف هي سبب هذا التسلسل الذي سيمتد إلى ما لا نهاية ، ولا
تنتهي السلسلة المشئومة حتى تعدم بذورها من الشهوات والرغبات والعواطف
والميول ، فينتهي الميلاد فالهرم والموت وسائر أوجاع الحياة وحسراتها .
وما بعثث البوذاوات في الكون إلا لإعدام بذور الآلام والحسرات ،
قال بوذا : " لولا ثلاثة في الدنيا لما ظهر في الكون الكامل المقدس الأعلى بوذا
ولا الشريعة ، ولا أشرق في الكون التعليم الذي يعرضه الكامل ، وما هذا
الثالوث إلا المولد والهرم والموت ، وما تبشير بوذا إلا الدعوة إلى النجاة من
الآلام والحسرات باجتثاث شأفتها وقلع أصولها .
وأهم شئ في التعليم البوذي هو الحقائق الأربع التي سبق ذكرها ، فمن آمن
بها واتبعها كتبت له النجاة والسعادة ومن لم يعلمها ولم يؤمن بها ظل في شقائه
وآلامه يموت ويحيا ثم يهرم ويهلك فيولد من جديد ، ولا تنقطع هذه السلسلة حتى
يعرف هذه الحقائق ويتبعها .
وقد كشفت الأسرار لبوذا فعرف هذه الحقائق وآمن بها واتبعها ولذلك
يقول : " لقد أحرزت علم هذه الحقائق الأربع المقدسة ، وأحرزت فهمها بانجلاء
تام فصرت على يقين بأني قد ظفرت بالبوذية الكبرى ، وقد عرفت أنه قد
ضمنت لي النجاة بروحي ، ومولدي هذا آخر مولد ، وليس لي بعد هذا من
ولد مستأنف " .
مقارنة الأديان ، أديان الهند — صفحة 165
مساهمون: أحمد الشلبي
ص١٦٥