المسيح في نظر المسلمين
وظلت مريم في الاعتكاف كعادتها ، ولكنها فوجئت في يوم من الأيام
برجل يقف أمامها ، فارتاعت وتساءلت : من هذا الذي ينغص عليها وحدتها ؟
وماذا يريد منها ؟ ولكنه نقلها من عجب إلى عجب حين قال لها : ( إنما أنا
رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا ( 1 ) ) وصاحت مريم : ( أنى يكون لي
غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ( 3 ) ؟ فأجاب ( كذلك ، قال ربك هو علي
هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا ، وكان أمرا مقضيا ) ( 3 ) . ورضيت
مريم بمنحة الله ، ونفخ الملك في جيب قميصها فبدأ الحمل ( والتي أحصنت فرجها
فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ) ( 4 ) .
هامش
( 1 ) سورة مريم الآية 19 .
( 2 ) نفس السورة الآية 20 .
( 3 ) نفس السورة الآية 21 .
( 4 ) سورة الأنبياء الآية 91 . وهناك دراسة عن
الروح ينبغي أن نوردها هنا متصلة بقوله تعالى ( فنفخنا فيها من روحنا ) وسبب الحاجة لهذه
الدراسة أني سمعت من يقول إن عيسى خلق من روح الله ، فهو أفضل الأنبياء ، فلنحاول
هنا أن نحق الحق في قضية الروح وقضية عيسى عليه السلام .
وردت ( الروح ) في القرآن الكريم بمعان ثلاث هي :
1 - بمعنى جبريل ، قال تعالى :
- وأيدناه بروح القدس
البقرة 87
- فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا
مريم 16
- نزل به الروح الأمين
الشعراء 193
- تعرج الملائكة والروح إليه
المعارج 4
- تنزل الملائكة والروح فيها
القدر 4
3 - بمعنى الوحي بوجه عام أو القرآن بوجه خاص ، قال تعالى :
- ينزل الملائكة بالروح من أمره
النحل 3
- يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده
المؤمنون 15
- وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا
الشورى 52
3 - بمعنى القوة التي تحدث الحياة في الكائنات الحية ، قال تعالى :
- يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي
الإسراء 75 .
والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا
الأنبياء 91
- ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا
التحريم 12
والمعنى في الآيتين الأخيرتين الخاصتين بعيسى أن الله سبحانه نفخ في مريم روحا خلقها ( الله )
بدون توسط أب ، ومعنى النفخ تحصيل آثار الروح في الجسم ، والمقصود : خلقناه بدون
الطريق الطبيعي للخلق ، ومثل ذلك قوله تعالى : فنفخت فيه من روحي ( الحجر 15 ) أي أعطيته
الروح التي هي ملكي والتي لا يعرف كنهها سواي . ويلتقي الأزواج بالزوجات ولا يتم حمل
إلا إذا شاء الله ، فالحمل مرتبط بالمشيئة الإلهية أكثر من ارتباطه باللقاء بين الزوج وزوجته ،
وفي حالة عيسى تمت المشيئة دون لقاء .
وعلى هذا فخلق عيسى عليه السلام على هذا النحو لا يمنحه فضلا على سواه من الأنبياء .
وهذا غير الروح ( ولا تيأسوا من روح الله ) ( يوسف 87 ) فمعناها الرحمة .