مقول القول محذوف لدلالة السياق عليه ولأنه لا يتعين في لفظ مخصوص نحو يا أمير
المؤمنين أنا فقير أنا محتاج إلى كذا . وقوله : أفتاركهم أنا استفهام إنكاري أي لا أتركهم
محتاجين . وقوله : لا أبا لك بفتح الموحدة من غير تنوين ثم اختلف فيه ، فعند سيبويه
والجمهور أنه مضاف واللازم زائدة مؤكدة لمعنى الإضافة وهي معتد بها من حيث إن اسم لا
لا يضاف لمعرفة فاللام لصورة الإضافة ، وغير معتد بها من حيث إن ما قبلها منصوب بالألف
واللام وإنما ينصب بها إذا كان مضافا ، ويشكل عليهم لا أبالي بالألف واللام فإنه لا ينصب
بالألف إذا أضيف للياء . وقال ابن الحاجب وابن مالك : إنه شبيه بالمضاف ، ويشكل على
قولهما حذف التنوين . وسمع من قولهم : لا أباك بدون لام وهو مشكل . وظاهر كلامهم أنه
لم يسمع لا أبا لك ولو سمع لأمكن توجيهه بأنه شبيه بالمضاف . والخبر على هذه الأوجه
محذوف . وسمع من كلامهم لا أبا لك بالبناء على الفتح وهو القياس . وقوله : لك هو
الخبر على هذا الوجه ، ولو قال : لا أب لك بالرفع والتنوين صح ، وهذا اللفظ ظاهره الدعاء
عليه . قال في فتح الباري : وهو على المجاز لا على الحقيقة . وقوله : إنهم ليرون قال في فتح
الباري : بضم التحتية أوله بمعنى الظن ، وبفتحها بمعنى الاعتقاد قوله : إني قد ظلمتهم .
فرع : قال ابن حجر : قال ابن التين : يريد أرباب المواشي الكثيرة ، والذي يظهر لي أنه
أراد أرباب المواشي القليلة لأنهم الأكثر وهم أهل تلك البلاد من نواحي المدينة ، ويدل على
ذلك قوله : إنها لبلادهم . وقد أخرج ابن سعد في الطبقات أن عمر رضي الله عنه أتاه رجل
من أهل البادية فقال : يا أمير المؤمنين . بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الاسلام
ثم تحمي علينا ، فجعل عمر ينفخ ويفتل شاربه . وأخرج الدارقطني في غرائب مالك نحوه وزاد :
فلما رأى الرجل ذلك ألح عليه فلما أكثر عليه قال رضي الله عنه : المال مال الله والعباد عباد
الله والأرض أرض الله ما أنا بفاعل انتهى .
قلت : والظاهر أن الضمير في يرون يعود إلى أصحاب المواشي الممنوعين ، سواء كانت
مواشيهم كثيرة أو قليلة . ثم قال في فتح الباري : وقال ابن المنير : لم يدخل ابن عفان ولا ابن
عوف في قوله : قاتلوا عليها في الجاهلية فالكلام عائد على عموم أهل المدينة لا عليها انتهى .
قال الشيخ ابن أبي زيد في النوادر : وقال عمر رضي الله عنه لرجل من العرب عاتبه في الحمى :
بلاد الله حميت لمال الله انتهى . وقوله : لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله قال في فتح
الباري : أي من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد مركبا . وجاء عن مالك أن عدة ما
كان في الحمى في عهد عمر بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل بينها انتهى . وقال الأسنوي : قوله :
لولا المال الذي أحمل عليه أي الخيل التي أعددتها لأحمل عليها من لا مركوب له . قال
مالك رضي الله عنه : وكانت عدتها أربعين ألفا انتهى . وهو مخاف لما ذكره في فتح الباري .
مواهب الجليل — صفحة 612
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٦١٢