يدخل في حده للبيع السلم في ثمر حائط بعينه مع أنه يسمى سلما . ويدخل فيه بعض أنواع
الصلح كما لو صالح عن دين له من ذهب أو فضة بعوض يساوي ذلك أو يقاربه بزيادة أو
نقص . والظاهر أيضا أن قوله : ولا متعة لذة مستغنى عنه بقوله على غير منافع كما تقدم في
كلام المازري وابن بشير والله أعلم . وقال البرزلي بعد ذكره كلام ابن عرفة : ظاهر هذه
الاعتراضات وأجوبتها يدل على طلب حقيقة الشئ وماهيته في هذا الباب وغيره . وحقائق
الأشياء لا يعلمها إلا الله فهو المحيط بها من جميع الجهات ، فهو العالم بما يحصلها ،
والمطلوب في معرفة الحقائق الشرعية وغيرها إنما هو ما يميزها من حيث الجملة عما
يشاركها في بعض حقائقها حتى يخرج عنها ما يسري إلى النفس مثل أن يقال : ما الانسان ؟
فيقال : منتصب القامة . فيحصل تمييزه عن باقي الحيوانات التي يسرع إلى النفس دخولها لا
كل حقيقة غيره لأنه يدخل عليه الحائط والعمود وكل منتصب القامة ، لكن لما كان غير
مقصود في هذا الكلام لم يقع الاحتراز منه . قال بعض حذاق المنطقيين : وهذا المعنى كثيرا
ما يقع من حكماء المتقدمين قصدهم التمييز على ما يحصل التمييز في النفس ولو بأدنى
خاصية ، فيعترض عليهم المتأخر ون لاعتقادهم أنهم يأتون بالحقائق التي تشتمل على جميع
الذاتيات وهم لا يقصدون ذلك لأنه لا يعلم حقائق الأشياء إلا الله سبحانه . وكذلك أشار إليه
ابن البناء في رفع الحجاب في بعض رسوم التخليص : فكل من عرف البيع بما عرفه به إنما
هو تصور معرفته من حيث الجملة لا تحصيل معرفته بجميع الذاتيات ، فالاعتراض عليهم
ضعيف والله أعلم اه .
وبعضهم يقسم البيع الأعم ويزيد في التفصيل في بيع المنافع فيقول : لا يخلو إما أن
يكون بيع أعيان أو بيع منافع . والمنافع على قسمين : منافع جماد وهو المترجم له بأكرية
الدور والأرضين ، ومنافع حيوان . والحيوان على قسمين : حيوان لا يعقل وهو المترجم له
بأكرية الرواحل والدواب ، وحيوان يعقل وهو على قسمين : إما أن تكون المنفعة متعلقة
بالفروج وهو النكاح والخلع ، أو بغير الفروج وهو الجعل والإجارة ، ويشبه أن يكون هذا هو
الجاري على اصطلاحه في المدونة فإنه ذكر التراجم المذكورة إلا أنه بقي عليه من التقسيم
منافع العرض ويسمى ذلك غالبا إجارة . وبيع الأعيان ينقسم إلى أقسام كثيرة من حيثيات
متعددة ، فينقسم من حيث تأجيل أحد عوضيه أو كليهما إلى أربعة أقسام ، لأنه إن لم يكن
فيها تأجيل فهو بيع النقد ، وإن تأجلا معا ابتداء فهو الدين بالدين وهو ممنوع كما سيأتي
بيانه في البيوع المنهي عنها ، وإن تأجل الثمن فقد فهو البيع إلى أجل ، وإن تأجل المثمون
فقط فهو السلم وينقسم من حيث كون أحد عوضيه ذهبا أو فضة إلى ثلاثة أقسام : بيع العين
بالعين ، وبيع العرض بالعرض ، وبيع العرض بالعين . وينقسم بيع العين بالعين إلى ثلاثة أقسام :
لأنه إن اختلف جنس العوضين كذهب وفضة وعكسه فهو الصرف ، وإن اتحدا ، فإن كان
مواهب الجليل — صفحة 9
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٩