قلت : وهذا هو الظاهر من قول مالك في المدونة ولا يعتد بما طاف داخل الحجر لأن ذلك
شامل لستة أذرع ولما زاد عليها ، وهو الذي يظهر من كلام أصحابنا كما تقدم . والذي قاله
اللخمي رحمه الله إنما هو تفقه منه على عادته في اختياره لما يقتضيه الدليل والقياس وإن خالف
المنصوص عن مالك . وقوله وليس بحسن أن يفعل ذلك يدل على ذلك والله أعلم . وبما قاله
اللخمي قال جماعة من الشافعية منهم إمام الحرمين وأبوه والبغوي وصححه الرافعي ، وبالقول
الآخر قال جماهير الشافعية ، قال النووي : وهو الصواب واحتج شيخ شيوخنا القاضي تقي الدين
الفاسي المالكي في تاريخ مكة لما قاله اللخمي والرافعي بأن أفعاله ( ص ) في الحج منها ما هو واجب
ومنها ما ليس بواجب ، فطوافه خارج الحجر ما يكون واجبا إلا بدليل ولا دليل إلا ما وقع في
بعض رواية عائشة أن الحجر من البيت وهي رواية مطلقة فتحمل على الروايات المقيدة ، ويحمل
طوافه ( ص ) خارج الحجر ليزيل عن غيره مشقة الاحتراز عن تحرير الستة أذرع ونحوها ومشقة
تسور جدار الحجر خصوصا للنساء ، ومثل ذلك يقال في طواف الخلفاء ومن بعدهم فيكون
الطواف هكذا مطلوبا منه متأكدا لا وجوبا لعدم نهوض الدلالة على الوجوب من طوافه ( ص ) . فإن
خالف إنسان وتسور على جدار الحجر فطاف فيما ليس من الكعبة خصوصا على رواية سبعة
أذرع ، ففي الجزم بفساد طوافه نظر كبير مما لا ينهض عليه دليل . انتهى مختصرا وآخره باللفظ .
قلت : فيما قاله رحمه الله نظر ، لأن أفعاله ( ص ) محمولة على الوجوب حتى يدل دليل
على الندب لا سيما في باب الحج . قال النووي في شرح المهذب : لما تكلم على اشتراط
الطهارة في الطواف ثبت في صحيح مسلم من رواية جابر أن النبي ( ص ) قال في آخر حجته :
لتأخذوا عني مناسككم . قال أصحابنا : في الحديث دليلان : أحدهما أن طوافه ( ص ) بيان
للطواف المجمل في القرآن . الثاني قوله ( ص ) لتأخذوا عني يقتضي وجوب كل ما فعله إلا ما
قام دليل على عدم وجوبه انتهى .
قلت : ولا سيما في الطواف الذي ثبتت فرضيته بالقرآن مجملا ولم يعلم بيانه إلا من
فعل الرسول ( ص ) فتحمل أفعاله فيه على الوجوب إلا ما دل دليل على عدم وجوبه كاستلام
الحجر والاضطباع ، وقد استدل أئمة مذهبنا وغيرهم على وجوب كثير من أفعال الحج
بفعله ( ص ) لذلك مع قوله خذوا عني مناسككم . إذا علم ذلك فالذي يظهر - والله أعلم -
وجوب الطواف من وراء محوط الحجر وإن طاف داخله يعيد طوافه ، ولو تسور الجدار وطاف
من وراء الستة الأذرع أو السبعة وهذا ما دام بمكة ، فإن عاد إلى بلاده وكان طوافه من وراء
الستة الأذرع فينبغي أن لا يؤمر بالعود مراعاة لمن يقول بالاجزاء كما تقدم في مسألة
الشاذروان . وقد تبع المصنف على التقييد بالستة الأذرع صاحب الشامل وغيره من المتأخرين ،
وقد تبعتهم في المناسك التي كنت جمعتها ثم ظهر لي الآن خلاف ذلك والله أعلم بالصواب .
مواهب الجليل — صفحة 102
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص١٠٢