تنبيهات : الأول : المشهور أنه لا فرق في خوف العطش بين أن يخاف الموت أو يخاف
ضررا لا يموت معه : وصرح بذلك في الطراز والذخيرة ولم يذكرا فيه خلافا . والظاهر نقل
المازري عن ابن حبيب أنه لا فرق بين أن يخاف على غيره المرض أو التلف والله تعالى أعلم .
وفي العمدة لابن عسكر : وأما إذا لم يخف على غيره المرض أو خوف عطش متوقع ولو على
رقيق أو دابة فيتوضأ ولا يسقيه . ففي سماع ابن القاسم عن مالك فيمن معه ماء قليل ومر عليه
رجل فاستسقاه أيسقيه ويتيمم . قال : ذلك يختلف إما رجل يخاف أن يموت فيسقيه ، وأما إن
لم يبلغ منه الامر المخوف فلا أرى ذلك له وقد يكون عطشا خفيفا ولكن إن أصابه من ذلك
أمر يخافه فأرى ذلك له . ابن رشد : خوفه على الرجل كخوفه على نفسه سواء . وقد قال في
رسم الوضوء من سماع أشهب أنه إذا كان معه قدر وضوئه وخاف على نفسه العطش تيمم
وهو كما قال انتهى . فظاهر كلام ابن رشد أنه إذا لم يخف على نفسه أيضا التلف ولا المرض
وإنما به عطش خفيف أنه لا يباح له شرب الماء القليل والتيمم فتأمله والله تعالى أعلم .
الثاني : أطلق ابن الحاجب في الدابة وقيده المصنف بالحيوان المحترم ، وأشار بذلك لما
ذكره في توضيحه ونصه : والظاهر أنه إذا كان معه كلب أو خنزير يقتلهما ولا يدع الماء
لأجلهما ، وإن كان ابن هارون قد تردد في ذلك لان المذهب جواز قتل الكلب صرح به غير
واحد ، وكذلك الخنزير المذهب جواز قتله ، صرح به اللخمي في باب الصيد ، وإذا جاز قتلهما
وكان الانتقال إلى التيمم مع القدرة على الماء غير جائز تعين قتلهما انتهى .
الثالث : قال ابن عبد السلام : لا إشكال في صحة سببية عطش الآدمي المعصوم الدم ،
وأما الدابة فإن كان لا يبلغ ، إلا عليها فكذلك وإلا اعتبرت قيمتها إن لم يؤكل لحمها وما بين
قيمتها حية ومذبوحة إن أكل لحمها ، فإن كان ذلك لا يجحف به ذبحها ، وإن أجحف به جاز
التيمم انتهى . واعترضه في التوضيح فقال : فيه نظر لأنه يقتضي أن الحيوان الذي لا يؤكل وثمنه
يسير يتركه يموت ويتوضأ ، ولا أظن أحدا يقول بذلك لأنه لا يجوز قتل الحيوان لغير ضرورة
انتهى . وعن هذا الاعتراض احترز ابن عرفة فقال ابن بشير : الحيوان غير الآدمي مثله . قال ابن
عرفة : قلت : إن أمكن بيعه أو بيع لحمه برخص ما يشتري به الماء ولا ضرورة به ألغى انتهى .
قلت : ويفهم من تقييد ابن عبد السلام الآدمي بالمعصوم أن الحربي والمرتد والزاني
المحصن ونحوه لا يراعى الخوف عن عطشهم وهو ظاهر إذا ثبت سبب ذلك والله تعالى أعلم .
الرابع : قال ابن فرحون عن ابن دقيق العيد : قد يقال إن خوف العطش لا يبيح التيمم
إلا إذا لم يمكنه جمع الماء ويشربه ، وأما مع الامكان فهو قادر على الجمع بين المصلحتين . وإن
قيل تعافه النفس ، قيل : عيافته لا تنهض حجة في العدول عن الماء وقصارى ما يخاف منها
المرض . وقد اختلف في التيمم إذا خاف حدوث المرض فتكون هذه المسألة من هذا الباب ، وأما
إطراح النظر في جمعه وشربه ففيه نظر . قال ابن فرحون : ذكر الشيخ هذا عن بعض الفضلاء ،
مواهب الجليل — صفحة 491
مساهمون: الشيخ زكريا عميرات
ص٤٩١