تربيته ، وقد سئل الإسكندر عليه السلام : ما بالك توقر معلمك أكثر من والدك ؟
فقال : لان المعلم سبب لحياتي الباقية ، ووالدي لحياتي الفانية . 1
وأيضا لم يقصد الوالد في الأغلب في مقاربة والدته وجوده ، ولاكمال وجوده وإنما
قصد لذة نفسه فوجد هو ، وعلى تقدير قصده لذلك ، فالقصد المقترن بالفعل أولى من
القصد الخالي عنه ، وأما المعلم فقصد تكميل وجوده ، وسببه وبذل فيه جهده ، ولا شرف
لأصل الوجود إلا بالإضافة إلى العدم ، فإنه حاصل للديدان والخنافس ، وإنما الشرف
في كماله ، وسببه المعلم .
وقد روي أن السيد الرضي الموسوي قدس الله روحه 2 كان عظيم النفس عالي
الهمة أبي الطبع لا يقبل لاحد منة ، 3 وله في ذلك قصص غريبة مع الخليفة العباسي
حين أراد صلته بسبب مولود ولد له ، 4 وغيره ، ومنها أن بعض مشايخه 5 قال له يوما :
بلغني أن دارك ضيقة لا تليق بحالك ، ولي دار واسعة صالحة لك ، قد وهبتها لك
فانتقل إليها . فأبى ، فأعاد عليه الكلام ، فقال : يا شيخ أنا لم أقبل بر أبي قط ، فكيف
هامش
1 - " محاضرات الأدباء " ج 1 / 45 ، " أخلاق ناصري " / 271 ، " الذريعة إلى مكارم الشريعة " / 119 .
2 - نرجو من يرغب التفصيل عن حياة الرضي وآثاره القيمة أن يراجع نشرة " تراثنا " العدد الخامس ،
3 - قال ابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 33 : " وكان عفيفا شريف النفس ، عالي الهمة ملتزما بالدين
وقوانينه ، ولم يقبل من أحد صلة ولا جائزة ، حتى أنه رد صلات أبيه ، وناهيك بذلك شرف نفسي وشدة
ظلف ، فأما بنو بويه فإنهم اجتهدوا على قبوله صلاتهم فلم يقبل " .
4 - " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 39 - 40 ، قال فيه : " وقرأت بخط محمد بن إدريس الحلي الفقيه الامامي ، قال :
حكى أبو حامد أحمد بن محمد الأسفراييني الفقيه الشافعي ، قال : كنت يوما عند فخر الملك أبي غالب محمد
ابن خلف وزير بهاء الدولة وابنه سلطان الدولة ، فدخل عليه الرضي أبو الحسن ، فأعظمه وأجله ورفع من منزله ،
وخلى ما كان بيده من الرقاع والقصص وأقبل عليه يحادثه إلى أن أتصرف . . . فقال [ يعني فخر الملك ] : هذا كتاب
الرضي ، اتصل بي أنه قد ولد له ولد ، فأنفذت إليه ألف دينار ، قلت له : هذه للقابلة فقد جرت العادة أن
يحمل الأصدقاء إلى أخلائهم وذوي مودتهم مثل هذا في مثل هذه الحال ، فردها وكتب إلي هذا الكتاب
فاقرأه . قال [ يعني أبا حامد الأسفراييني ] : فقرأته ، وهو اعتذار عن الرد وفي جملته : إننا أهل بيت لا يطلع على
أحوالنا قابلة غريبة ، وإنما عجائزنا يتولين هذا الامر من نسائنا ولسن ممن يأخذن أجرة ولا يقبلن صلة . . . "
وانظر لنقد وتزييف بعض هذه الحكاية - الذي لم ننقله - مقالة " الرضي والمرتضى كوكبان " ، المطبوع في نشرة
" تراثنا " العدد الخامس ، ص 248 - 262 .
5 - هو الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي كما في " شرح نهج البلاغة " ج 1 / 34 .