هذا وقد نصب الميداني هذه الكلمة لعامر بن الظرب العدواني ( 1 ) ، وذكر قصة في ذلك تجدها في حرف الراء من ( مجمع الأمثال ) . فان صحت رواية الميداني فيحتمل أن ذلك من توارد الخواطر ، أو أن أمير المؤمنين عليه السّلام استشهد بها فسمعها من لم يعلم أنها للعدواني فرواها عنه ، أو أن الكلمة مقحمة في تلك القصة وهو الأشبه . وللعلامة الأستاذ الشيخ عبد الهادي الفضلي مقال قيم أسماه الأمثال في ( نهج البلاغة ) ذكر فيه ما استشهد به أمير المؤمنين عليه السّلام من الأمثال . ومما تجدر الإشارة اليه أن الحريري ( 2 ) أخذ هذا المعنى بلفظه فقال في ( المقامات ) : يا رب أكلة هاضت الآكل ومنعته مآكل . وأخذه ابن العلاف الشاعر ( 3 ) فقال في سنوره الذي يرثيه :
أردت أن تأكل الفراخ ولا
يأكلك الدهر أكل مضطهد
هامش
( 1 ) عامر بن الظرب - بفتح المعجمة وكسر الراء - من حكماء العرب وخطبائهم ، وكان موحدا يؤمن بالحساب وهو ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية .
( 2 ) الحريري هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري المتوفى سنة 516 أديب معروف ، صاحب ( المقامات ) المشهورة ، وهي خمسون مقامة ، اعتنى بها الأدباء وشرحوها ومدحوها .
( 3 ) ابن العلاف هو أبو بكر الحسن بن علي الضرير النهرواني البغدادي ، الأديب المقرئ ، وقصيدته في رثاء سنوره مشهورة ، وهي من أحسن الشعر وأبدعه ، وعدد أبيانها خمسة وستون ، وفيها ابيات مشتملة على حكم ، والسبب في نظمها انه كان له هو يأنس به ، وكان يدخل أبراج الحمام التي لجيرانه ويأكل فراخها فقتله أربابها فرثاه بالقصيدة المذكورة ، وقيل : انه كنى بالهر عن ابن المعتز حين قتله المقتدر ، فكان يخشى التصريح باسمه فكنى بالهر عنه وقد عرض بالمقتدر في بعض أبياتها . توفى ابن العلاف سنة 318 بعد أن عمر مائة سنة .