بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحس بتغير المشاهد ، وتحول المعاهد : فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية ، في حلل من العبارات الزاهية ، تطوف على النفوس الزاكية ، وتدنو من القلوب الصافية : توحي إليها رشادها ، وتقوم منها مرادها ، وتنفر بها عن مداحض المزالق ، إلى جواد الفضل والكمال .
وطورا كانت تتكشف لي الجمل عن وجوه باسرة ، وأنياب كاشرة ، وأرواح في أشباح النمور ، ومخالب النسور ، قد تحفزت للوثاب ، ثم انقضت للاختلاب ، فخلبت القلوب عن هواها وأخذت الخواطر دون مرماها ، واختالت فاسد الأهواء ، وباطل الآراء .
وأحيانا كنت أشهد أن عقلا نورانيا ، لا يشبه خلقا جسدانيا ، فصل عن الموكب الإلهي ، واتصل بالروح الانساني ، فخلع عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ، ونما به إلى مشهد النور الأجلى ، وسكن به إلى عمار جانب التقديس ، بعد استخلاصه من شوائب التلبيس .
وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة ، وأولياء أمر الأمة ، يعرفهم مواقع الصواب ، ويبصرهم مواضع الارتياب ، ويحذرهم مزالق الاضطراب ، ويرشدهم إلى دقائق السياسة ، ويهديهم طرق الكياسة ، ويرتفع بهم إلى منصات الرئاسة ، ويصعدهم شرف التدبير ، ويشرف بهم على حسن المصير .
ذلك الكتاب الجليل هو جملة ما اختاره السيد الشريف الرضي - رحمه
مصادر نهج البلاغة وأسانيده — صفحة 116
مساهمون: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
ص١١٦