يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل ، كما ابتلي إبراهيم بذبح ابنه ، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه ، وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه ، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه ، وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف ، ولهذا قال تعالى : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ 76 / 12 ] فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه ، كما نسبه إلى نفسه في قوله : { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا } [ 15 ، 16 / 86 ] ، وفي قوله : { وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا } [ 50 / 27 ] ، وفي قوله : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [ 30 / 8 ] ( 1 ) ( 2 ) .
قال ابن القيم رحمه الله : ثم في إعراب هذا الكلام وجهان :
أحدهما : أن قوله : { جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ } [ 75 / 12 ] جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر . وقوله : { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } جملة ثانية مؤكدة للأولى مقررة لها .
وذكر ابن القيم الفرق بين الجملتين ثم قال : والقول الثاني أن { جَزَاؤُهُ } الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية ومعنى ذلك والفرق بين الجملتين : أن الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق .
هامش
( 1 ) إعلام الموقعين ج - 3 / 228 ، 229 وللفهارس العامة ج - 1 / 293 وج 2 / 234 .
( 2 ) لم يقل ابن القيم انتهى كلام شيخه ويحتمل أنه انتهى عند قوله : التي قضاها لهم نهايتها وقد استمر في الكلام على الكيد والمكر والاستهزاء والخداع المذكور في الآيات إلى ص 230 .