عليها في مقدمات البرهان ، فإن هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية ، فإن الفطرة الأولى لا
تقضي بها بل إنما ينغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول الصبا ، وذلك بأن
تكرر على الصبي ، ويكلف اعتقادها ويحسن ذلك عنده وربما يحمل عليها حب التسالم
وطيب المعاشرة ، وربما تنشأ من الحنان ورقة الطبع ، فترى أقواما يصدقون بأن ذبح البهائم قبيح
ويمتنعون عن أكل لحومها وما يجري هذا المجرى فالنفوس المجبولة على الحنان والرقة
أطوع لقبولها ، وربما يجبل على التصديق بها الاستقراء الكثير ، وربما كانت القضية صادقة
ولكن بشرط دقيق لا يفطن الذهن لذلك الشرط ، ويستمر على تكرير التصديق فيرسخ في نفسه
كمن يقول مثلا : التواتر لا يورث العلم لان كل واحد من الآحاد لا يورث العلم ، فالمجموع لا
يورث ، لأنه لا يزيد على الآحاد ، وهذا غلط ، لان قول الواحد لا يوجب العلم بشرط الانفراد
وعند التواتر فات هذا الشرط ، فيذهل عن هذا الشرط لدقته ويصدق به مطلقا وكذلك يصدق
بقوله : إن الله على كل شئ قدير مع أنه ليس قادرا على خلق ذاته وصفاته وهو شئ لكن هو
قدير على كل شئ بشرط كونه ممكنا في نفسه ، فيذهل عن هذا الشرط ويصدق به مطلقا
لكثرة تكرره على اللسان ، ووقع الذهول عن شرطه الدقيق ، وللتصديق بالمشهورات أسباب
كثيرة ، وهي من مثارات الغلط العظيمة ، وأكثر قياسات المتكلمين والفقهاء مبنية على مقدمات
مشهورة يسلمونها بمجرد الشهرة ، فلذلك ترى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيرون فيها ، فإن
قلت : فبم يدرك الفرق بين المشهور والصادق ، فأعرض قول القائل : العدل جميل والكذب قبيح
على العقل الأول الفطري الموجب للأوليات ، وقدر أنك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ملة
ولم تأنس بمسموع ، ولم تتأدب باستصلاح ، ولم تهذب بتعليم أستاذ ومرشد ، وكلف نفسك أن
تشكك فيه ، فإنك تقدر عليه وتراه متأتيا وإنما الذي يعسر عليك هذه التقديرات أنك على حالة
تضادها ، فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير ، وكذا تقدير كل حالة أنت منفك عنها في
الحال ، ولكن إذا تحذقت فيها أمكنك التشكك ، ولو كلفت نفسك الشك في أن الاثنين أكثر من
الواحد لم يكن الشك متأتيا ، بل لا يتأتى الشك في أن العالم ينتهي إلى خلاء أو ملاء وهو
كاذب وهمي ، لكن فطرة الوهم تقتضيه ، والآخر يقتضيه فطرة العقل ، وأما كون الكذب قبيحا فلا
يقتضيه فطرة العقل الوهم ولا فطرة العقل ، بل ما ألفه الانسان من العادات والأخلاق والاستصلاحات
وهذه أيضا معارضة مظلمة يجب التحرز عنها ، فهذا القدر كاف في المقدمات التي منها ينتظم
البرهان ، فالمستفاد من المدارك الخمسة بعد الاحتراز عن مواقع الغلط فيها يصلح لصناعة
البرهان ، والمستفاد من غلط الوهم لا يصلح البتة ، والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية
والأقيسة الجدلية ، ولا تصلح لإفادة اليقين البتة .
الفن الثالث : من دعامة البرهان في اللواحق وفيه فصول :
الفصل الأول في بيان أن ما تنطق به الألسنة في معرض الدليل والتعليل في جميع
أقسام العلوم يرجع إلى الضروب التي ذكرناها ، فإن لم يرجع إليها لم يكن دليلا ، وحيث
يذكر لا على ذلك النظم فسببه إما قصور علم الناظر أو إهماله إحدى المقدمتين للوضوح ،
أو لكون التلبيس في ضمنه حتى لا ينتبه له ، أو لتركيب الضروب وجمع جملة منها في سياق
المستصفى — صفحة 39
مساهمون: الغزالي
ص٣٩