لاختلافهم في التجربة ، فمعرفة الطبيب بأن السقمونيا مسهل ، كمعرفتك بأن الماء مرو ،
وكذلك الحكم بأن المغناطيس جاذب للحديد عند من عرفه ، وهذه غير المحسوسات ، لان
مدرك الحس هو أن هذا الحجر يهوي إلى الأرض ، وأما الحكم بأن كل حجر هاو فهي قضية
عامة لا قضية في عين ، وليس للحس إلا قضية في عين ، وكذلك إذا رأى مائعا وقد شربه فسكر
فحكم بأن جنس هذا المائع مسكر فالحس لم يدرك إلا شربا وسكرا واحدا معينا ، فالحكم
في الكل إذا هو للعقل ، ولكن بواسطة الحس ، أو بتكرر الاحساس مرة بعد أخرى ، إذ المرة
الواحدة لا يحصل العلم بها ، فمن تألم له موضع فصب عليه مائعا فزال ألمه لم يحصل له
العلم بأنه المزيل ، إذ يحتمل أن زواله بالاتفاق ، بل هو كما لو قرأ عليه سورة الاخلاص فزال
فربما يخطر له أن إزالته بالاتفاق ، فإذا تكرر مرات كثيرة في أحوال مختلفة انغرس في النفس
يقين ، وعلم بأنه المؤثر ، كما حصل بأن الاصطلاء بالنار مزيل للبرد ، والخبز مزيل لألم الجوع ،
وإذا تأملت هذا عرفت أن العقل قد ناله بعد التكرر على الحس بواسطة قياس خفي ارتسم
فيه ، ولم يشعر بذلك القياس ، لأنه لم يلتفت إليه ، ولم يشغله بلفظ ، وكأن العقل يقول : لو لم يكن
هذا السبب يقتضيه لما اطرد في الأكثر ، ولو كان بالاتفاق لاختلف ، وهذا الآن يحرك قطبا
عظيما في معنى تلازم الأسباب والمسببات التي يعبر عنها باطراد العادات ، وقد نبهنا على غورها
في كتاب تهافت الفلاسفة والمقصود تمييز التجربيات عن الحسيات ، ومن لم يمعن
في تجربة الأمور تعوزه جملة من اليقينيات فيتعذر عليه ما يلزم منها من النتائج ، فيستفيدها من
أهل المعرفة بها ، وهذا كما أن الأعمى والأصم تعوزهما جملة من العلوم التي تستنتج من
مقدمات محسوسة ، حتى قدر الأعمى على أن يعرف بالبرهان أن الشمس أكبر من الأرض ،
فإن ذلك يعرف بأدلة هندسية تنبني على مقدمات حسية ، ولما كان السمع والبصر شبكة
جملة من العلوم قرنهما الله تعالى بالفؤاد في كتابه في مواضع .
الخامس : متواترات : كعلمنا بوجود مكة ، ووجود الشافعي ، وبعدد الصلوات الخمس بل
كعلمنا بأن من مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي ، فإن هذا أمر وراء المحسوس إذ
ليس للحس إلا أن يسمع صوت المخبر بوجود مكة ، وأما الحكم بصدقة فهو للعقل ، وآلته
السمع ، ولا مجرد السمع ، بل تكرر السماع ، ولا ينحصر العدد الموجب للعلم في عدد ومن
تكلف حصر ذلك فهو في شطط ، بل هو كتكرر التجربة ، ولكل مرة في التجربة شهادة أخرى
إلى أن ينقلب الظن علما ولا يشعر بوقته ، فكذلك التواتر ، فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية
الصالحة لمقدمات البراهين وما بعدها ليس كذلك .
السادس : الوهميات : وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا إلى
جهته ، فإن موجودا لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخلا ولا خارجا محال ، وأن إثبات
شئ مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال ، وهذا عمل قوة في التجويف الأوسط
من الدماغ ، وتسمى وهمية ، شأنها ملازمة المحسوسات ومتابعتها والتصرف فيها ، فكل ما لا
يكون على وفق المحسوسات التي ألفتها فليس في طباعها إلا النبوة عنها ، وإنكارها ومن هذا
القبيل نفرة الطبع عن قول القائل : ليس وراء العالم خلاء ولا ملاء ، وهاتان قضيتان وهميتان
المستصفى — صفحة 37
مساهمون: الغزالي
ص٣٧